موقع المجلس:
تشهد إيران تفاقمًا حادًا في أزمة الغلاء وتدهور القدرة الشرائية، مع الارتفاع المتسارع في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، الأمر الذي أدى إلى استنزاف دخول العمال والموظفين والمتقاعدين ودفع شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى الفقر المدقع. ومع بلوغ أسعار الأغذية مستويات قياسية وارتفاع معدلات التضخم، باتت الأسر الإيرانية تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، في وقت تتركز فيه ثروات البلاد ومواردها في أيدي مؤسسات الولي الفقيه وحرس النظام، ما يحول أزمة المعيشة إلى مصدر متزايد للاحتقان والغضب الشعبي.
تتسارع وتيرة الانهيار الاقتصادي في إيران لتتحول إلى مأساة إنسانية شاملة لم تعد تقتصر على العاطلين عن العمل أو الفئات الأشد هشاشة، بل باتت تلتهم دخل العمال والموظفين والمتقاعدين الذين وجدوا أنفسهم فجأة عاجزين عن تأمين أدنى متطلبات البقاء. وتؤكد الوقائع الميدانية أن أسعار الأغذية والمشروبات سجلت قفزة كارثية تجاوزت 128 في المئة، بالتوازي مع ارتفاع التضخم الشهري إلى نحو 87.9 في المئة، ومعدل تضخم سنوي بلغ 66 في المئة. هذا التدهور القياسي وضع الأسر الإيرانية أمام خيارات قاسية؛ فبينما يمكن الاستغناء عن الكماليات أو تأجيل شراء الملابس والخدمات الترفيهية، فإن مواجهة تكلفة الغذاء التي ارتفعت بنحو 133 في المئة لسلة الغذاء الأساسية أصبحت مستحيلة، مما أجبر الملايين على تقليص وجباتهم اليومية أو الاستدانة الدائمة لمجرد توفير الطعام.
وتتجلى قسوة هذه الأزمة عند مقارنة أسعار السلع بقيمة الأجور الفعلية؛ إذ تشير الحسابات الاقتصادية إلى أن شراء المواد الغذائية وحدها بات يستنزف ما يقارب 74.5 في المئة من الحد الأدنى لأجور العمال، مقارنة بنحو 59 في المئة في العام السابق. هذا الواقع يعني أن ما يتبقى من الدخل لا يتجاوز ربع الراتب، وهو مبلغ يستحيل أن يغطي تكاليف الإيجار، وفواتير المياه والكهرباء، والخدمات الصحية، والأدوية، والتعليم، ومصاريف النقل، خصوصاً في المدن الكبرى كالعاصمة طهران التي تشهد ارتفاعات قياسية في كلفة السكن والمعيشة، مما يحرم الأسر من أي هامش للأمان والاستقرار المالي ويضعها تحت وطأة ضغوط نفسية مستمرة.
وعلى صعيد اتساع رقعة الحرمان، تشير التقديرات إلى أن أعداد المواطنين القابعين تحت خط الفقر المطلق قفزت من 16 مليوناً لتصل إلى نحو 34 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من 40 إلى 44 في المئة من إجمالي سكان البلاد، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة لتتجاوز 45.5 في المئة خلال الفترة القريبة المقبلة إذا استمر النهج الحالي. كما تعاني المناطق الريفية من تدهور أشد قسوة، حيث يُرجح سقوط أكثر من نصف سكان الأرياف تحت خط الفقر، مما يمهد لموجات هجرة جماعية قسرية نحو هوامش المدن الكبرى وأحزمة البؤس المحيطة بها، لتتحول الأرياف المنتجة إلى بؤر للحرمان وتتضخم العشوائيات الحضرية المحرومة من الخدمات الأساسية.
إن التآكل السريع لمدخرات ودخل الطبقة الوسطى أفرز واقعاً مريراً حوّل أصحاب المهن والكوادر المتخصصة إلى فئة الفقراء العاملين؛ حيث لم يعد العمل والتوظيف ضماناً لتفادي الفقر في ظل الهوة السحيقة بين الدخل الحقيقي وتكلفة المعيشة المتصاعدة. وتعود الجذور الحقيقية لهذه الكارثة إلى شبكات الفساد الهيكلي وسوء إدارة الموارد، حيث تسيطر مؤسسات الولي الفقيه وشركات حرس النظام الإيراني على المفاصل الحيوية للاقتصاد والشركات الإنتاجية، محتكرة الصفقات التجارية وموجهة عائدات الثروات الوطنية نحو الإنفاق العسكري والمشاريع الخارجية، بدلاً من دعم البنية التحتية وتوفير الحماية الاجتماعية للمواطنين.
لم تعد قضية الفقر في إيران مجرد أرقام اقتصادية، بل تحولت إلى أزمة سياسية تمس كرامة الإنسان وحقه في الحياة. فعندما يعجز العامل والموظف والمتقاعد عن إطعام أسرته رغم عمله اليومي، تسقط كل محاولات التبرير التي تسوقها السلطة للتنصل من مسؤولياتها. إن استنزاف لقمة العيش لصالح أجهزة القمع وبقاء المنظومة الحاكمة يزيل الفوارق بين الفئات الاجتماعية المختلفة، ويوحد صفوفها في مواجهة استبداد الولي الفقيه؛ حيث بات الشارع يدرك يقيناً أن الخلاص من شبح الجوع والفقر يبدأ بإنهاء سلطة الفساد والنهب المنظم واستعادة الحقوق المسلوبة.
يثبت اتساع رقعة الفقر وتآكل الأجور في إيران أن سياسات النهب المنظم التي يقودها نظام الولي الفقيه وحرس النظام قد أوصلت المجتمع إلى حافة الانفجار الشامل؛ إن عجز ملايين العائلات عن تأمين قوت يومها في بلد يزخر بالثروات ليس مجرد إخفاق اقتصادي، بل هو دليل قاطع على إفلاس المنظومة الحاكمة سياسياً وأخلاقياً، مما يجعل من تصاعد الغضب والاحتجاجات الشعبية في طهران ومختلف المحافظات خياراً حتمياً لاستعادة الكرامة والحقوق المسلوبة.








