الحوار المتمدن- سعاد عزيز:
تتبدد يوما بعد آخر مزاعم قادة ومسؤولي نظام الملالي بشأن تماسكه ووحدة صفوفه وقدرته على مواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة. فالواقع يكشف عن أزمات متلاحقة تتفاقم بوتيرة متسارعة، حتى باتت تطوق النظام من مختلف الجهات وتضيق عليه الخناق. وعلى الرغم من محاولاته المستميتة للتستر على هذه الحقائق أو التقليل من شأنها، فإن حجم التطورات وتسارعها أكبر بكثير من قدرة الدعاية الرسمية على احتوائها.
وفي هذا السياق، أعلنت المتحدثة باسم حكومة مسعود بزشكيان، فاطمة مهاجراني، يوم السبت 25 يوليو، أن إجراء تعديلات على أسعار البنزين أو على نظام الحصص أصبح أمرا “محسوما”، مؤكدة أن الحكومة باتت مضطرة إلى اتخاذ إجراءات جديدة لإدارة استهلاك الوقود في البلاد. وأوضحت أن الحكومة تتحمل أعباء كبيرة نتيجة دعم أسعار البنزين، وأن تحقيق ما وصفته بـ”التوازن في استهلاك الوقود” يفرض اتخاذ قرارات جديدة، مؤكدة أن هذا التوجه “قطعي ومؤكد”.
ويأتي هذا الإعلان في وقت يواجه فيه النظام أزمة متفاقمة في قطاع الوقود، نتيجة الارتفاع المستمر في معدلات استهلاك البنزين وتزايد الحاجة إلى استيراده، وهي أزمة ازدادت تعقيدا بعد تعرض عدد من المصافي والمنشآت النفطية لأضرار خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي انعكس سلبا على القدرة الإنتاجية لهذا القطاع الحيوي.
ولا يعني ذلك مجرد عودة أزمة البنزين إلى الواجهة، بل دخولها مرحلة أكثر خطورة قد يصعب على النظام احتواء تداعياتها. فمجرد الحديث عن رفع أسعار البنزين يعيد إلى الأذهان احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حين أدى قرار النظام رفع الأسعار بنسبة 200 في المائة إلى اندلاع موجة احتجاجات واسعة شملت معظم المحافظات الإيرانية.
وقد انطلقت تلك الاحتجاجات من عدة مدن، قبل أن تمتد بسرعة إلى مختلف أنحاء البلاد، فيما واجهتها قوات النظام بحملة قمع دموية استخدمت فيها الرصاص الحي ضد المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل المئات، وفقا لتقارير حقوقية، لتصبح تلك الأحداث واحدة من أكثر صفحات القمع دموية في تاريخ النظام.
غير أن أزمة البنزين ليست سوى أحد تجليات الأزمة البنيوية التي يعانيها النظام. فإلى جانب أزمة الوقود، تتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وحتى فكرية، وتتفاقم جميعها في ظل عجز واضح عن تقديم حلول حقيقية. ولذلك فإن أي قرار برفع أسعار البنزين لا يمثل مجرد إجراء اقتصادي، بل قد يتحول إلى شرارة تضاف إلى حالة الاحتقان الشعبي المتصاعدة.
إن المشكلة الحقيقية التي يواجهها النظام لم تعد تكمن في كيفية توفير البنزين أو تمويل دعمه، وإنما في فقدانه القدرة على إدارة الدولة ومعالجة الأزمات التي صنعها بنفسه على مدى عقود. ومن هنا، فإن أزمة البنزين ليست إلا انعكاسا لأزمة أعمق وأشمل، هي أزمة نظام بلغ مرحلة من التآكل الداخلي جعلت كل أزمة جديدة تتحول إلى اختبار جديد لبقائه، في وقت تشير فيه مختلف المؤشرات إلى أنه يواجه أخطر مراحله وأكثرها هشاشة.








