وكالة حمورابي الاخبارية الدولية-د. سامي خاطر
تتجسد في المشهد الجيوسياسي المعاصر تقاطعات معقدة بين شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والعمليات الاستخباراتية لدول الإقليم ، حيث تتحول ظواهر الهجرة غير الشرعية تدريجياً من مجرد أزمات إنسانية وأمنية تقليدية إلى أدوات توظفها كيانات دولية لتحقيق اختراقات استراتيجية. في هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية استقصائية نشرتها صحيفة ديلي تلغراف البريطانية عن أبعاد مقلقة تتعلق باستغلال مسارات الهجرة غير الشرعية عبر قناة المانش، لتسهيل وصول أفراد ترتبط مصالحهم وصلاتهم بالأجهزة الأمنية الإيرانية إلى الأراضي البريطانية، مما يفرض تحديات جوهرية على منظومة الأمن القومي الأوروبي ويفتح الباب أمام قراءة أعمق لآليات التغلغل الخارجي.
الوحدة 700 وشبكات التهريب: البنية التحتية للعمليات العابرة للحدود
أشارت المعطيات الميدانية والتقارير الاستخباراتية إلى أن شبكات التهريب النشطة في القارة الأوروبية، وتحديداً في المدن الساحلية الفرنسية مثل كاليه، لا تعمل بمعزل عن الهياكل العسكرية والسيادية في طهران. وبحسب ما رصدته الأجهزة الأمنية البريطانية، فإن “الوحدة 700” التابعة للحرس الثوري الإيراني تلعب دوراً محورياً في إدارة وتوجيه بعض مسارات التهريب الممتدة من الشرق الأوسط وصولاً إلى المانش. وتكشف هذه الارتباطات عن هندسة أمنية دقيقة تسعى إلى دمج عناصر مرتبطة بوزارة المخابرات والحرس الثوري داخل موجات الهجرة الجماعية، مستفيدة من حالة الزخم والضغط البشري على الحدود البحرية لتمرير عناصر تمتلك مهام استخباراتية أو لوجستية مستقبلية داخل القارة الأوروبية.
الآليات العملياتية والمقايضة الاستراتيجية: من كاليه إلى الأراضي البريطانية
تقوم المنهجية المتبعة في هذه الشبكات على نمط من المقايضة الاستراتيجية غير المعلنة؛ إذ يقدم النظام الإيراني تسهيلات لوجستية ومالية لبعض المهاجرين أو المرتبطين به في المدن الأوروبية لتأمين عبورهم نحو بريطانيا عبر قوارب صغيرة . وفي المقابل، يتحمل الوافدون الجدد التزامات وخدمات لصالح الشبكات المرتبطة بالأجهزة الأمنية بعد استقرارهم داخل المملكة المتحدة. وقد تجلى حجم الضغط على هذه المسارات في التسجيلات القياسية الأخيرة، كعبور قارب واحد يحمل 165 مهاجراً، وهو ما يوفر غطاءً بشرياً كثيفاً يصعب معه على خفر السواحل والسلطات الأمنية فرز هويات جميع القادمين بدقة، مما يضاعف من كفاءة هذه التكتيكات في التخفي خلف الستار الإنساني للهجرة.
التداعيات الجيوسياسية والأمنية على الساحة الأوروبية
تفرض هذه المعطيات تداعيات جيوسياسية وأمنية بالغة الأهمية على الدول الأوروبية عموماً وبريطانيا خصوصاً، حيث تتداخل التحديات المرتبطة بأمن الحدود وضبط الهجرة مع ملف مكافحة الإرهاب والأنشطة الاستخباراتية العدائية. إن امتداد أنشطة أذرع الحرس الثوري الإيراني، المعروفة بأدوارها السابقة في دعم وتمويل تنظيمات إقليمية متعددة، ليشمل الساحة الأوروبية الداخلية عبر شبكات التهريب، يعكس تحولاً في طبيعة التهديدات العابرة للحدود. هذا الوضع يدفع صانع القرار الأوروبي نحو إعادة تقييم شاملة للسياسات الأمنية المتبعة على الحدود البحرية، وربط ملفات الهجرة غير النظامية بمستويات أعلى من اليقظة الاستخباراتية تجاه شبكات النفوذ الإقليمي المرتبطة بنظام الملالي.
الخاتمة: حتمية المقاربة الشاملة لأمن الحدود والسيادة
في الخلاصة، يثبت الكشف عن تورط شبكات مرتبطة بالأجهزة الأمنية الإيرانية في توجيه مسارات الهجرة عبر قناة المانش أن التهديدات الحديثة لم تعد تلتزم بالحدود الجغرافية التقليدية أو بالوسائل الدبلوماسية المعتادة. بل باتت تستغل الثغرات الهيكلية في الأنظمة القانونية والأمنية للدول الغربية. إن مواجهة هذه التحديات تتطلب مقاربة تحليلية وأمنية مزدوجة تتجاوز المعالجات السطحية لظاهرة القوارب الصغيرة، لتصل إلى تفكيك شبكات التمويل واللوجستيات العابرة للحدود، بما يضمن حماية السيادة الوطنية للدول الأوروبية ويحد من محاولات تحويل الأزمات الإنسانية إلى منصات لتمرير الأجندات الأمنية والاستخباراتية.








