الاحتجاجات الشعبیة في ایران-
المدارنت- د. سامي خاطر/ فلسطين:
خاص “المدارنت”-
تشير التحولات البنيوية التي شهدتها الساحة الإيرانية، منذ الانتفاضة الوطنية في أواخر عام 2017 إلى دخول البلاد مرحلة “اللاعودة” في العلاقة بين السلطة والمجتمع.. ولم تكن احتجاجات أعوام 2018 و2019 و2022، مجرد هبات عابرة بل كانت تعبيراً عن تآكل الشرعية السياسية التي استند إليها النظام لعقود في أوساط المنتفعين منه، واليوم وفي منتصف عام 2026 يبدو المشهد الإيراني وكأنه برميل بارود سياسي واجتماعي على أهبة الاستعداد للانفجار.. حيث أدت الأزمات المتراكمة من تضخم مفرط، وانهيار بيئي وتمييز عرقي إلى خلق بيئة خصبة للراديكالية السياسية.
تحطيم حاجز الخوف.. من الاحتجاج إلى المواجهة المباشرة
إن المتغير الأهم في المشهد الراهن هو تطبيع المواجهة المباشرة مع الأجهزة السيادية؛ إذ لم يعد المتظاهر الإيراني يكتفي بالشعارات المطلبية بل انتقل إلى مرحلة استهداف الرموز والقيادات المسؤولة عن آلة القمع، وتشير البيانات الاستراتيجية إلى أن عناصر ما يسمى بـ”الحرس الثوري”، وميليشيا الباسيج والمسؤولين القضائيين، باتوا أهدافاً لعمليات انتقامية منظمة.. هذا التحول يعكس شرخاً اجتماعياً عميقاً حيث فقدت المؤسسات الأمنية هيبتها التقليدية؛ هذا وقد تحول الخوف من الشارع إلى أروقة النظام التي باتت تخشى من تحول الغضب العفوي إلى مقاومة منظمة قادرة على توجيه الزخم الشعبي نحو هدف سياسي موحد.
اعترافات السلطة.. قراءة في لغة الأرقام والتهديدات
تكتسب التصريحات الرسمية الأخيرة دلالات استراتيجية غير مسبوقة؛ ففي 26 يناير 2026 أقر إبراهيم عزيزي رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان بوصول الاحتجاجات إلى “المستوى الرابع” الذي يتضمن العمل المسلح معلناً عن سقوط أكثر من 3000 قتيل.. هذه الأرقام التي تقاطعت مع اعترافات أحمد خاتمي بسقوط 2427 قتيلاً في صفوف القوات الحكومية تؤكد أن النظام يواجه حالة من الاستنزاف البشري والميداني.
إن تصريحات رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي في مايو 2026 والتي وصف فيها المعارضين بـ”مشاة العدو” وتوعدهم بإجراءات استثنائية تعكس حالة من الذعر السياسي ومحاولة لاستعادة السيطرة عبر خطاب “حالة الحرب“.
الإنهاك الأمني وتصدع وحدة القرار
لقد كشفت انتفاضة 2022 وما تلاها من اضطرابات عن حدود القدرة القمعية، وتشير اعترافات القادة الأمنيين مثل حسين أشتري حول حجم الإصابات اليومية في صفوف الشرطة إلى فقدان القدرة على الحسم السريع.. وبحسب تقارير مراكز الأبحاث فإن بقاء القوات في الشوارع لفترات طويلة أدى إلى انشقاقات داخلية وإنهاك بدني ونفسي مما أضعف التماسك المؤسسي.
إن فشل المجلس الأعلى للأمن في اتخاذ قرارات حاسمة في لحظات الذروة بسبب نقص القوى العاملة اللازمة لتنفيذ عمليات قمع واسعة يثبت أن الولي الفقيه لم يعد يمتلك أدوات السيطرة المطلقة التي كانت متوفرة في العقود الماضية.
الجغرافيا السياسية للاضطرابات.. واتساع الرقعة وتعدد الجبهات
لم تعد الاضطرابات محصورة في المركز أو العاصمة طهران بل تمددت لتشمل االأطراف المهمشة جغرافياً وعرقياً.. ومن سيستان وبلوشستان إلى كردستان وكرمانشاه، وصولاً إلى المراكز الصناعية في أصفهان وفارس وثقت التقارير أكثر من 50 حادثة مسلحة واشتباكاً نوعياً بين عامي 2022 و2026.. هذا الانتشار الجغرافي يشتت القوى الأمنية ويجعل من عملية “احتواء الحريق” أمراً شبه مستحيل خاصة مع تزايد العمليات عند نقاط التفتيش والكمائن التي تستهدف ضباط المخابرات وحرس الحدود.
الإعدامات كأداة أخيرة لمنع الانفجار الكبير
أمام هذا التهديد الوجودي لجأ النظام إلى تصعيد حملة الإعدامات ضد السجناء السياسيين والنشطاء المرتبطين بشبكات المعارضة، والهدف من هذه السياسة ليس قانونياً بل هو عقاب نموذجي يهدف إلى ممارسة “الإرهاب السياسي” لردع المجتمع؛ إذ يحاول النظام من خلال هذه الإجراءات القاسية كسر حلقة الوصل بين الغضب الشعبي الهائل وبين الأطر التنظيمية للمقاومة التي بدأت تتبلور في الداخل.
نحو انفجار وطني جديد
إن المشهد في إيران اليوم يتجاوز كونه أزمة حكم عابرة؛ إنه صراع على بقاء الهوية السياسية للدولة.. وإن المظالم الهيكلية التي لم تعالج منذ عام 2017 قد تراكمت لتتحول إلى وقود لثورة راديكالية، ومع استمرار التدهور الاقتصادي وانسداد قنوات التعبير السلمي تظل إيران مرشحة لانفجار وطني جديد.
إن سياسة القمع الجماعي قد تنجح في تأجيل الصدام لكنها تعمق من حدته مما يجعل الانفجار القادم أكثر شمولية وأقل استجابة لأي محاولات إصلاح جزئية.. وبناءً عليه فإن الدولة الإيرانية تقف اليوم أمام خيارين.. إما تغيير جذري في بنية السلطة أو مواجهة زلزال سياسي يعيد صياغة وجه المنطقة بأكملها.








