وكالة حمورابي الاخبارية الدولية-د. مصطفى عبدالقادر
آكاديمي وأستاذ جامعي:
استراتيجية “التعالي”: قراءة في خطاب النخبة الإيرانية
يكشف الخطاب السياسي الذي يتبناه مستشار الشؤون الدولية لمرشد النظام الإيراني، علي أكبر ولايتي، عن ملمح جوهري في العقيدة السياسية لطهران تجاه محيطها الإقليمي. إن قراءة متأنية في تصريحاته، التي تفيض بلغة متعالية تجاه دول المنطقة، تضعنا أمام استراتيجية تعتمد على “التفوق الهيكلي” كأداة لفرض النفوذ. هذا الخطاب ليس مجرد زلات لسان دبلوماسية، بل هو انعكاس لـ رؤية استراتيجية ترى في جيران إيران “لاعبين هامشيين” أو “بيادق” في رقعة شطرنج تديرها طهران، وهو ما يشير إلى أن السياسة الإيرانية لا تنظر إلى المنطقة كفضاء للندية، بل كمجال حيوي تابع لـ مشروع نفوذها المركزي.
أوهام “الاستقرار” وتصدير المظلومية التاريخية
يُجادل الخطاب الرسمي الإيراني بأن استقرار المنطقة مرهون بالسيطرة الإيرانية على الممرات المائية الحيوية، وتحديداً مضيق هرمز . تكمن الخطورة في هذا الطرح – الذي يربط استقرار الدول العربية بالقبضة الإيرانية – في كونه يغلف التوسع الجيوسياسي بمظلومية تاريخية ضد “توحش الغرب”. إن هذا التوظيف للمصطلحات، كـ “النهب” و”التوحش”، يهدف إلى تحويل الصراع إلى معركة هوية، مما يبرر – في نظر طهران – تجاوز سيادة الدول المجاورة. هذه المقاربة، التي ترفض أي تصور لعلاقات ودية وسلمية خارج إطار التبعية، تضع الدول العربية أمام حقيقة استراتيجية مفادها أن استقرار المنطقة بوجود هذا النظام يظل رهناً بتفكيك أدوات الهيمنة الإيرانية، لا بالتعايش معها.
إعادة تشكيل المعادلات : الحذف الإقليمي كأداة ضغط
إن الرسالة الأشد صراحة في أدبيات النخبة الإيرانية هي تلك المتعلقة بـ “إعادة تشكيل المعادلات الكبرى”. ففي المنظور الإيراني ، لا مكان للفواعل الإقليمية حول طاولة القرار؛ فالدول التي تُوصف بـ “البيادق” هي في نظر طهران مجرد كيانات مؤقتة تقتات على ” فتات ” التوازنات التي تفرضها العاصمة الإيرانية. إن هذا التصور يمثل تحدياً وجودياً لمنظومة الأمن القومي العربي، حيث تُستبعد فكرة “الشراكة” لصالح منطق “الحذف”. عندما تُعتبر الأصول الاستراتيجية للدول العربية أنها “تدين بوجودها” لسقف التحمل الإيراني، فإننا أمام إعلان رسمي عن سياسة استعلاء لا تترك مجالاً للدبلوماسية التقليدية، بل تدفع بالضرورة نحو حتمية المواجهة أو الارتداد الاستراتيجي للدفاع عن السيادة.
النتائج الجيوسياسية: لماذا يظل المسار الراهن مأزوماً ؟
إن المنهجية التي تتبعها طهران في التعبير عن طموحاتها لا تساهم في تهدئة التوترات، بل تعمل كـ محفز للصدام. إن أي تصور متفائل بـ “تطبيع” حقيقي مع نظام يتبنى هذا الخطاب هو تصور قد يثبت ضررة ؛ فهو لا يغري طهران بالتهدئة، بل يشجعها على المزيد من التوسع والعدوانية. التقارير الصادرة عن مراكز الرصد الدولية، والتي توثق التدخلات المستمرة، تؤكد أن العقيدة الهوياتية للنظام الإيراني تمنعه من ممارسة دور “الدولة الجارة” التقليدية، وتدفعه بدلاً من ذلك إلى دور “المركز الإمبراطوري” الذي لا يرى في محيطه سوى تابعين أو خصوم .
الخلاصة : استراتيجية الدفاع عن السيادة
نجد أن الخطاب التصعيدي لولايتي وأقرانه يعكس مأزقاً بنيوياً في “دبلوماسية الهيمنة”. إن النظام الإيراني يرى في المنطقة امتداداً استراتيجياً له، وينظر إلى محاولات بناء تكتلات عربية مستقلة كتهديد لـ “نظامه الجيوسياسي”. إن الدول العربية، في ظل هذا الخطاب ، أمام واقع يفرض عليها تجاوز لغة “البيانات الدبلوماسية الجاهزة” والتحول نحو استراتيجية ردع متكاملة. فالتاريخ السياسي يُعلمنا أن الأنظمة التي تبني وجودها على “حذف” الآخرين لا تجد في النهاية سوى العزلة أو التصادم. إن التحدي القادم ليس في كيفية التفاوض مع طهران، بل في كيفية تحجيم طموحات “المركز” لضمان بقاء “الأطراف” – أي الدول العربية – كفاعلين مستقلين لا يدينون بوجودهم لأي سقف تحمّل إقليمي.
تحليل الموقف: يتضح أن طهران تتعامل بـ “عقيدة الاستعلاء” كأداة لإدارة الفراغ الإقليمي. هذا الخطاب لا يهدف فقط إلى استمالة الرأي العام الداخلي، بل يوجه رسائل مباشرة للقوى الدولية بأنها “حارس الممر” الوحيد، وأن أي ترتيبات إقليمية لا تمر عبرها هي ترتيبات هشة. استراتيجياً، يجب قراءة هذا الخطاب كإعلان عن فشل الدبلوماسية الناعمة مع النظام الحالي، مما يضع القوى الإقليمية أمام ضرورة صياغة سياسات أمنية تعتمد على “التوازن الميداني” بدلاً من الاعتماد على التفاهمات السياسية التي ثبت أنها لم تعد ذات جدوى في ظل هذه العقلية التوسعية.








