استأجار سطوح المنازل للایجار للسکن-
موقع المجلس:
أصبحت أزمة السكن والإيجارات في إيران واحدة من أشد الأعباء الاقتصادية التي تثقل كاهل الأسر، في ظل الارتفاع المتسارع للأسعار وتراجع القدرة الشرائية نتيجة سنوات طويلة من التضخم المستمر. ولم يعد الحصول على مسكن مناسب مجرد احتياج أساسي، بل تحول إلى تحدٍ يومي يهدد الاستقرار المعيشي للملايين. وتكشف تصريحات رسمية صدرت في يونيو 2026 أن تكاليف الإيجار باتت تستهلك أكثر من 70% من دخل بعض الأسر، الأمر الذي يدفع أعداداً متزايدة من المواطنين نحو الفقر السكني والانتقال القسري إلى المناطق الهامشية والعشوائية.
وقد سلطت تصريحات عضو لجنة العمران في البرلمان الإيراني، عبد الجلال إيري، الضوء على حجم الأزمة التي يواجهها المستأجرون، إذ أكد أن بعض العائلات تضطر إلى تخصيص أكثر من 70% من دخلها الشهري لتغطية نفقات الإيجار فقط. وأشار إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار أضعف قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية الأخرى، مثل الغذاء والعلاج والتعليم والمواصلات، مما أجبر الكثيرين على مغادرة مناطق سكنهم والانتقال إلى الضواحي البعيدة أو القبول بمساكن أصغر وأقل جودة لتفادي خطر فقدان المأوى.
اقتصاد مأزوم وسياسات عمّقت الأزمات
يشهد الاقتصاد الإيراني أوضاعاً متدهورة تعكس نتائج سنوات من السياسات التي يرى منتقدون أنها أعطت الأولوية للاعتبارات السياسية والأيديولوجية على حساب تحسين مستوى معيشة المواطنين. وفي ظل هذه الظروف، تراجعت فرص النمو الاقتصادي المستدام، بينما ازدادت الضغوط على مختلف القطاعات المعيشية، وفي مقدمتها قطاع الإسكان.
الأزمة الاقتصادية في إيران | يونيو 2026
يعكس الوضع الراهن للاقتصاد الإيراني حجم التحديات المتراكمة التي أدت إلى تراجع القدرة المالية للأسر وزيادة معدلات الفقر، في وقت لا تزال فيه الحلول الفاعلة غائبة عن معالجة جذور الأزمة.
تكاليف السكن تتجاوز المعدلات العالمية
يحذر مختصون في اقتصاد الإسكان من أن نسبة الإنفاق على السكن في إيران تجاوزت بكثير المستويات المقبولة دولياً. ففي معظم الدول المتقدمة، تتراوح حصة السكن من دخل الأسرة بين 20% و30%، ويُنظر إلى تجاوز هذه النسبة على أنه مؤشر إلى ضغوط مالية مرتفعة. أما في إيران، فقد أدت الزيادات المتواصلة في أسعار العقارات والإيجارات، بالتزامن مع تراجع الأجور الحقيقية، إلى استحواذ السكن على الجزء الأكبر من موازنات الأسر، ليتجاوز في بعض المناطق 70% من إجمالي الدخل، وهو ما يفاقم هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
اتساع ظاهرة الفقر السكني
لم تقتصر آثار الأزمة على سوق العقارات فحسب، بل امتدت لتنتج ما يعرف بـ”الفقر السكني”، حيث تجد الأسر نفسها عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية رغم امتلاكها دخلاً ثابتاً. فمع استنزاف القسم الأكبر من الدخل في دفع الإيجارات، تضطر العائلات إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والترفيه، ما يؤدي إلى تراجع مستوى المعيشة وازدياد الشعور بعدم الاستقرار والأمان الاقتصادي.
معدلات تضخم قياسية وغياب البيانات الدقيقة
تشير الأرقام الرسمية إلى تسجيل زيادات كبيرة في معدلات تضخم الإيجارات خلال الأعوام الأخيرة، حيث بلغت نحو 34% في عام 2022، و41% في عام 2023، و40.3% في عام 2024، وهي نسب تفوق بشكل واضح المعدلات التاريخية التي كانت تدور حول 17% سنوياً. ويرى مراقبون أن الارتفاعات الفعلية في السوق قد تكون أعلى من الأرقام المعلنة، خاصة مع الزيادة الكبيرة في قيمة الودائع التأمينية للشقق الصغيرة والمتوسطة في طهران، والتي ارتفعت من نحو 400 إلى 500 مليون تومان في عام 2023 إلى أكثر من مليار تومان حالياً، مع امتداد هذه الظاهرة إلى مدن ومحافظات أخرى.
كما أشار نائب رئيس نقابة المستشارين العقاريين في طهران، داوود بيغين نجاد، إلى أن غياب الإحصاءات الحكومية الحديثة يحد من إمكانية تقييم حجم الزيادات بدقة، في وقت يطالب فيه العديد من الملاك برفع الإيجارات بنسبة تتراوح بين 40% و50% أو أكثر عند تجديد العقود.
تداعيات اجتماعية تتجاوز أزمة السكن
أدت أزمة السكن إلى تغيرات اجتماعية وديموغرافية ملحوظة، أبرزها انتقال أعداد كبيرة من المستأجرين إلى المناطق الطرفية والمدن المحيطة بالمراكز الحضرية الكبرى. ولا تقتصر كلفة هذا الانتقال على الجانب المالي، بل تمتد إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية، مع ارتفاع أعباء التنقل اليومي، وزيادة مصاريف المواصلات، وتراجع مستوى الخدمات المتاحة للسكان.
كما ساهمت الأزمة في تعميق مشكلات اجتماعية أخرى، من بينها تأجيل الزواج، وتراجع معدلات تكوين الأسر الجديدة، وازدياد الاكتظاظ داخل الوحدات السكنية، إضافة إلى التوسع المستمر للمناطق العشوائية حول المدن الكبرى.
أزمة ممتدة تغذي الفقر وعدم الاستقرار
في المحصلة، لم تعد أزمة الإيجارات في إيران مشكلة مرتبطة بقطاع الإسكان وحده، بل أصبحت عاملاً رئيسياً في توسيع دائرة الفقر وتعميق الفوارق الاجتماعية وزيادة مستويات القلق وعدم الاستقرار بين المواطنين. ومع كل موسم لتجديد العقود، تجد ملايين الأسر نفسها أمام تحديات معيشية متزايدة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وغياب حلول جذرية قادرة على احتواء الأزمة.








