اشتباکات بالایدي في البرلمان الایراني-
موقع المجلس:
بعد أكثر من ثلاثة أشهر على انتهاء حرب الأربعين يوماً، التي فاقمت الضغوط الخارجية والأزمات المعيشية، بات من الصعب على نظام الملالي إخفاء حجم التصدعات التي تنخر بنيته الداخلية. فالقضايا التي كانت تُدار سابقاً بعيداً عن الأضواء أصبحت اليوم محوراً للنقاش العلني في وسائل الإعلام الرسمية ومنابر النظام، حيث تكشف الخلافات المتصاعدة بشأن المفاوضات السرية مع الولايات المتحدة، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وصراعات النفوذ والصلاحيات، عن حالة من الارتباك وفقدان القدرة على إدارة الأزمات المتراكمة.
وفي ظل هذه الظروف، كثّف الولي الفقيه من دعواته إلى ما يسميه “الوحدة”، وهي دعوات يراها مراقبون مؤشراً واضحاً على تنامي القلق داخل أروقة السلطة من اتساع الانقسامات. وفي هذا الإطار، استغل مجتبى خامنئي مناسبة الذكرى السنوية لوفاة الخميني، في رسالة بتاريخ 4 يونيو/حزيران 2026، للتحذير مما وصفه بمحاولات “الأعداء” نشر الشك والخوف والإحباط وإثارة الفرقة بين أنصار النظام، مدعياً أن أي سلوك يؤدي إلى إضعاف الثقة العامة أو إحباط المجتمع يصب في خدمة خصومه. وتأتي هذه التصريحات في وقت تعكس فيه الصحف والمنابر المقربة من السلطة حجم الخلافات والصراعات المتزايدة بين مراكز القوى المختلفة.
تحليل سياسي: وريث يفتقر إلى رصيد سياسي مستقل
على امتداد سبعة وثلاثين عاماً، رسّخ علي خامنئي موقعه باعتباره المرجع الأعلى وصاحب الكلمة الفصل داخل منظومة ولاية الفقيه، مستنداً إلى شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي مكّنته من ضبط التوازنات بين الأجنحة المتنافسة. ويشكّل هذا الإرث المعقد أبرز العقبات التي تواجه مجتبى خامنئي، الذي يجد نفسه أمام مهمة صعبة تتمثل في خلافة شخصية بنت نفوذها عبر منظومة علاقات ومراكز قوة يصعب إعادة إنتاجها بالصيغة نفسها.
أزمة الخلافة – يونيو 2026
تسلط هذه التطورات الضوء على إشكالية التوريث السياسي داخل نظام يفتقر إلى مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة انتقال السلطة بصورة طبيعية، في وقت يواجه فيه الوريث المحتمل تحديات تتعلق بالشرعية السياسية وتزايد الانقسامات داخل أركان الحكم.
أما ملف التفاوض مع الولايات المتحدة، فقد تحول إلى أحد أبرز محاور الصراع بين أجنحة السلطة. فبينما يرفض التيار المتشدد أي انفتاح دبلوماسي، ويدعو إلى تبني سياسات أكثر تصعيداً، ترى أطراف أخرى أن التفاوض قد يكون الوسيلة الوحيدة لتخفيف الضغوط المتزايدة على النظام. وفي هذا السياق، وصفت صحيفة “جوان” المقربة من الحرس المفاوضات بأنها “فخ دبلوماسي”، واعتبرت التحركات الإقليمية الراهنة تهديداً مباشراً لمكانة النظام، داعية إلى تبني نهج أكثر تشدداً في التعامل مع التحديات الإقليمية. كما طالب النائب قاسم روانبخش بإنهاء أي مسار تفاوضي مع واشنطن، معتبراً أن تقديم أي تنازل يمثل علامة ضعف وتراجع عن المبادئ العقائدية. وفي المقابل، يدافع عدد من رجال الدين، ومن بينهم جعفر سبحاني، عن خيار الدبلوماسية باعتباره ضرورة لتجنب مزيد من التدهور، مؤكدين أهمية توحيد الخطاب السياسي في هذه المرحلة الحساسة.
قراءة إخبارية: النظام الإيراني أمام واحدة من أصعب مراحله
تتزايد المؤشرات التي تدل على أن النظام الإيراني يواجه مرحلة شديدة الحساسية تُعد من أخطر المراحل منذ تأسيسه قبل نحو سبعة وأربعين عاماً، وهو ما يتناقض مع الصورة التي تحاول السلطات تقديمها عن قدرتها على الصمود والسيطرة. فخلف الخطابات الرسمية، تتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، بالتوازي مع تنامي حالة السخط الشعبي، الأمر الذي يزيد من هشاشة النظام ويضع استقراره أمام تحديات غير مسبوقة.
أزمة بنيوية – يونيو 2026
تكشف المعطيات الراهنة عن تزايد الضغوط الناتجة عن الأزمات الهيكلية المتراكمة، إلى جانب تصاعد الاحتقان الشعبي، وهو ما يضع مستقبل النظام أمام اختبارات داخلية مصيرية.
ولم تقتصر الخلافات على ملفات السياسة الخارجية، بل امتدت إلى تداعيات الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. فقد أقر النائب محمد رضا صمصامي بأن السياسات والقرارات الحكومية أسهمت بصورة مباشرة في تفاقم التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ويُعد هذا الاعتراف مؤشراً على حجم الأزمة التي تواجهها السلطة، حيث أصبحت التحديات المعيشية عاملاً إضافياً في تأجيج الصراعات داخل مؤسسات الحكم. كما تعرضت حكومة مسعود بزشكيان لانتقادات متزايدة من داخل البرلمان، إذ اتهمها النائب أحمد راستينه بتجاوز الدستور وإنشاء هياكل إدارية موازية تنتقص من صلاحيات المؤسسات الأخرى.
وامتدت الانتقادات إلى شخصيات عسكرية سابقة، من بينها القائد الأسبق في الحرس حسين علائي، الذي حمّل السياسات المتبعة خلال العقود الماضية مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية، مشيراً إلى أن التركيز على المشاريع الأيديولوجية والعسكرية جاء على حساب التنمية الاقتصادية. كما اعتبر أن الأعباء المتراكمة المرتبطة بالملف النووي أسهمت في زيادة الضغوط على الدولة وإضعاف مكانتها.
وتعكس هذه الخلافات المتشعبة، سواء داخل المؤسسات السياسية أو العسكرية، حجم التحديات التي تواجه النظام. فالعجز عن بلورة موقف موحد تجاه القضايا الأساسية، إلى جانب تصاعد الخلافات الداخلية واتساع الفجوة مع الشارع، يجعل دعوات الوحدة الصادرة عن القيادة تبدو محاولة لاحتواء أزمة تتعمق يوماً بعد يوم، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على دخول البلاد مرحلة من التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى.








