الاحتجاجات الشعبیة في ایران-
موقع المجلس:
بينما تسعى السلطات الإيرانية إلى تقديم نفسها باعتبارها قادرة على تجاوز التحديات الداخلية والخارجية والحفاظ على تماسكها، تتزايد المعطيات التي تشير إلى أن البلاد تمر بمرحلة شديدة الحساسية تُعد من الأصعب منذ قيام النظام قبل نحو سبعة وأربعين عاماً. فخلف الخطاب الرسمي الذي يركز على الصمود وتحقيق الإنجازات، تتفاقم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، بالتوازي مع تصاعد حالة السخط الشعبي، ما يضع النظام أمام تحديات غير مسبوقة.
وجاءت هذه الرؤية في صلب كلمة ألقاها علي صفوي، عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، خلال جلسة رسمية استضافها البرلمان الكندي في العاصمة أوتاوا. وركزت الكلمة على دحض الطرح القائل بأن النظام خرج أقوى بعد المواجهات العسكرية الأخيرة، مؤكدة أن تلك التطورات أسهمت في تعميق أزماته وإبراز نقاط ضعفه بدلاً من تعزيز موقعه.
وأشار المتحدث إلى أن الأزمات الاقتصادية المستمرة، وانتشار الفساد المؤسسي، وتراجع المشاركة السياسية، واتساع دائرة الاستياء الشعبي، أصبحت سمات راسخة في الواقع الإيراني. وبحسب الطرح الذي قُدّم، فإن هذه التحديات تجاوزت كونها مشكلات ظرفية يمكن احتواؤها عبر الإجراءات الأمنية أو الحملات الإعلامية، لتتحول إلى أزمة هيكلية تمس ركائز السلطة نفسها. ومن هذا المنطلق، باتت الاضطرابات المتكررة انعكاساً طبيعياً لمسار طويل من الإخفاقات السياسية والاقتصادية.
كما جرى التطرق إلى الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال يناير 2026 بوصفها مؤشراً على استمرار حالة الرفض داخل المجتمع الإيراني. ووفقاً للخطاب، فإن حملات الاعتقال والتشديد الأمني وأحكام الإعدام لم تتمكن من إنهاء حالة الاحتقان الشعبي، بل عكست حجم القلق الذي يسيطر على مؤسسات الدولة الأمنية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن تصاعد وتيرة القمع غالباً ما يكون دليلاً على شعور الأنظمة بالتهديد أكثر من كونه تعبيراً عن الثقة والاستقرار.
وأضاف المتحدث أن تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من المعارضين السياسيين، بمن فيهم أفراد مرتبطون بـ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، لا يقتصر على البعد الأمني، بل يهدف أيضاً إلى توجيه رسائل ردع للمجتمع ومنع تشكل حركات احتجاجية منظمة. إلا أن هذا النهج، بحسب الخطاب، يعكس في الوقت ذاته إدراك السلطات لوجود قوى معارضة ما زالت قادرة على مواصلة نشاطها رغم الضغوط المتزايدة.
وفي هذا السياق، أشار الخطاب إلى الدور الذي تنسبه المعارضة لما يُعرف بوحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق، باعتبارها أداة لربط الاحتجاجات الشعبية بمشروع سياسي يسعى إلى إحداث تغيير في بنية الحكم. ومن وجهة نظر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فإن وجود تنظيم قادر على التنسيق والاستمرارية يُعد عاملاً أساسياً في تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة سياسية أكثر تأثيراً.
وفي المقابل، يطرح المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية رؤية بديلة تقوم على الانتقال إلى نظام ديمقراطي. وتستند هذه الرؤية إلى برنامج سياسي طرحته مريم رجوي، ويتضمن تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات حرة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وإقامة دولة ديمقراطية غير نووية تقوم على الفصل بين الدين والدولة.
وتبرز أهمية هذا المشروع، وفق مؤيديه، في كونه لا يقتصر على معارضة النظام القائم، بل يقدم تصوراً لمرحلة ما بعد التغيير. كما يؤكد أن مستقبل البلاد ينبغي أن يستند إلى إرادة المواطنين وخياراتهم الديمقراطية، بعيداً عن أي صيغ للحكم الوراثي أو إعادة إنتاج أنماط الاستبداد السابقة.
وتتجاوز الرسائل التي طُرحت خلال الجلسة البرلمانية الكندية إطار الخطاب السياسي المعارض، إذ تعكس نقاشاً متنامياً في الأوساط الدولية حول مستقبل إيران والدور الذي يمكن أن يلعبه الإيرانيون أنفسهم في تحديد مسار بلادهم. كما تشير إلى أن الملف الإيراني لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية البرنامج النووي أو التوازنات الإقليمية، بل أيضاً من منظور الحقوق السياسية والمدنية وتطلعات المجتمع إلى الحرية والعدالة.
وفي ظل استمرار التوترات الداخلية، وتنامي الاحتجاجات، وتصاعد الإجراءات الأمنية، تبدو إيران أمام مرحلة مفصلية قد تحمل تحولات مهمة في السنوات المقبلة. ويبقى شكل هذه التحولات ومدى تأثيرها مرهونين بالتطورات الداخلية وبقدرة القوى السياسية والاجتماعية المختلفة على التأثير في مسار الأحداث.








