موقع المجلس:
لم تعد الأزمة الإيرانية شأناً داخلياً يقتصر تأثيره على الشعب الإيراني وحده، بل أصبحت قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية ترتبط بشكل مباشر بأمن المنطقة واستقرارها. فقد أظهرت التطورات التي شهدتها الفترة الماضية أن نظام ولاية الفقيه تجاوز كونه سلطة تمارس القمع داخل حدود إيران، ليصبح عاملاً رئيسياً في تأجيج التوترات والصراعات ودعم مظاهر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، باتت مطالب الشعب الإيراني بالحرية والتغيير مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بجهود تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. فالتجارب السياسية والدبلوماسية التي جرت على مدى العقود الأربعة الماضية أكدت أن تحقيق استقرار حقيقي ودائم يظل أمراً صعباً في ظل استمرار السياسات التوسعية للنظام واعتماده على القمع الداخلي وتصدير الأزمات إلى الخارج.
وخلال سنوات طويلة، راهنت أطراف دولية مختلفة على إمكانية تعديل سلوك النظام الإيراني من خلال الحوار أو الاحتواء أو تقديم حوافز سياسية واقتصادية. إلا أن تلك المحاولات لم تؤدِّ إلى النتائج المرجوة، بل ترافقت مع استمرار التضييق على الحريات داخل البلاد وتواصل التدخلات الإقليمية خارجها. ويرى كثيرون أن طبيعة النظام الفكرية والأمنية تجعل من الصعب تحوله إلى نموذج سياسي منفتح أو متصالح مع محيطه الداخلي والخارجي.
وفي خضم هذه السياسات، جرى إغفال دور الشعب الإيراني وقوى المعارضة المنظمة بوصفهما عنصراً أساسياً في معادلة التغيير. فبينما انشغلت بعض الجهات الدولية بحسابات المصالح الآنية، واصلت قوى المعارضة الكشف عن قضايا اعتبرتها تهديداً للأمن والاستقرار، من بينها النشاطات النووية السرية والسياسات الإقليمية للنظام. ومع ذلك، لم تحظَ هذه التحذيرات دائماً بالاهتمام الكافي، بل واجهت المعارضة في بعض المراحل ضغوطاً وعقبات حدّت من قدرتها على التحرك.
غير أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن تجاهل مطالب الشعوب لا يؤدي إلى معالجة الأزمات، وإنما يؤجل انفجارها. فإيران تشهد حالة من الاحتقان الشعبي المتصاعد، بينما تدرك السلطات أن التحديات التي تواجهها لا تقتصر على الضغوط الخارجية، بل تشمل أيضاً حالة الرفض المتنامية داخل المجتمع الإيراني، إلى جانب نشاط المعارضة المنظمة في مختلف المناطق.
ولهذا السبب، أولى النظام أولوية كبيرة لمواجهة التحركات الداخلية. فقد شهدت الاحتجاجات الشعبية خلال السنوات الأخيرة حملات أمنية واسعة، تخللتها عمليات اعتقال وملاحقات مكثفة. كما تصاعدت إجراءات القمع، ولا سيما بحق الناشطين وأعضاء الجماعات المعارضة، ومن بينهم عناصر مرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، التي تُعد من أبرز القوى المعارضة للنظام.
وتشير التصريحات الرسمية حول توقيف أعداد كبيرة من الأشخاص، بينهم أفراد على صلة بمنظمة مجاهدي خلق، إلى حجم القلق الذي تشعر به السلطات تجاه تنامي نفوذ المعارضة. فالتحدي لم يعد مقتصراً على احتجاجات مطلبية أو اقتصادية، بل يرتبط بوجود تيارات سياسية منظمة تسعى إلى تحويل السخط الشعبي إلى مشروع سياسي يهدف إلى إحداث تغيير جذري في بنية الحكم.
في المقابل، تحاول بعض القوى المرتبطة بالعهد الملكي السابق تقديم نفسها بوصفها بديلاً سياسياً محتملاً. إلا أن شريحة واسعة من الإيرانيين لا ترى في العودة إلى نظام الشاه حلاً للمستقبل، تماماً كما ترفض استمرار النظام الحالي، ما يعزز البحث عن خيارات سياسية جديدة تستند إلى مبادئ الديمقراطية والتعددية.
ومن هنا يبرز مشروع سياسي يدعو إلى إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، وضمان المساواة بين المرأة والرجل، واحترام التعددية السياسية، وصون حقوق مختلف المكونات الاجتماعية والقومية، مع الاحتكام إلى إرادة الشعب عبر الانتخابات الحرة.
وفي هذا الإطار، يكتسب إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تشكيل حكومة مؤقتة أهمية خاصة لدى أنصاره، إذ يطرح نفسه ليس فقط كمعارض للنظام القائم، بل كبديل سياسي يمتلك تصوراً لإدارة المرحلة الانتقالية بعد أي تغيير محتمل، مستنداً إلى برنامج سياسي يتضمن مجموعة من المبادئ والرؤى لمستقبل البلاد.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو إيران أمام مرحلة مفصلية من تاريخها. فمن جهة، يواجه النظام تحديات متزايدة على المستويين الداخلي والخارجي، ومن جهة أخرى تتواصل مطالب التغيير والإصلاح وتطرح قوى المعارضة رؤى مختلفة للمستقبل. وبناءً على ذلك، لم يعد النقاش يتركز على إمكانية حدوث التغيير فحسب، بل امتد ليشمل توقيته وآلياته والجهة القادرة على قيادة المرحلة المقبلة نحو نظام سياسي جديد يحقق تطلعات الإيرانيين إلى الحرية والديمقراطية والاستقرار.








