صراع و اشتباکات بالایدي داخل البرلمان الایراني-
تصدع التوازن بين الدعاية الخارجية والأزمات الداخلية في إيران
جريدة الأمة الإلكترونية -د. مصطفى عبد القادر.. أكاديمي واستاذ جامعي سوري مقيم في ألمانيا:
يواجه نظام الملالي الحاكم في إيران أزماتٍ حادة تتسم بالتناقض البنيوي بين نهج التطرف والتدهور الميداني على الصعيدين المحلي والإقليمي.. فبينما تسعى السياسة الخارجية للنظام الإيراني إلى تصدير صورة القوة ووضع سقف شروط عالية على طاولة التفاوض، وتشير المعطيات السياسية والاقتصادية إلى أن هذا السلوك يندرج ضمن استراتيجية “الردع الافتراضي” أو الحرب النفسية الموجهة؛ والتي تهدف بالأساس إلى إدارة عناصر الضغط الخارجي وتأجيل بعض الاستحقاقات عبر خلق حالة من عدم اليقين في البيئة الإقليمية والدولية.
الدبلوماسية الرقمية واستهداف الرأي العام الغربي
في إطار إعادة تموضعها الاتصالي انتقلت طهران نحو توظيف أدوات القوة الناعمة الرقمية والذكاء الاصطناعي لاختراق الفضاء العام الغربي.. ويمثل نمط التواصل لدى رئيس برلمان الملالي محمد باقر قاليباف عبر المنصات الرقمية والاعتماد المتزايد على الرسوم المتحركة المولدة بالذكاء الاصطناعي تحولاً ملفتاً للنظر نحو استغلال الأزمات الاقتصادية الغربية خاصة ما يتعلق بالتضخم وارتفاع أسعار الطاقة.. وتهدف هذه المقاربة إلى تحفيز القواعد الشعبية في الغرب للضغط على صناع القرار لرفع العقوبات؛ وهي مفارقة واضحة بالنظر إلى القيود الصارمة المفروضة محلياً على تدفق المعلومات وانقطاع الإنترنت مما يؤشر على وجود فجوة تواصل بين النخبة الحاكمة والمجتمع الإيراني.
حدود المناورة النووية والضغوط الاقتصادية
تأتي التهديدات برفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى 90 بالمائة كأداة ضغط تفاوضية تقليدية؛ بيد أن سياقها الراهن يعكس تراجع خيارات المناورة بعد غياب الولي الفقیه علي خامنئي.
إن اضطرار الإدارة الحالية بقيادة مسعود بزشكيان للبحث عن مسارات تفاوضية مع الأطراف الدولية يكشف عن حتمية الموازنة بين الطموح النووي والنزيف الاقتصادي؛ إذ إن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يصطدم بحقائق الجغرافيا الاقتصادية حيث يمثل المضيق الشريان الحيوي الوحيد لتصدير النفط الإيراني، وكذلك فإن تأكيد صور الأقمار الصناعية على جمود بعض المحطات النفطية يعزز فرضية تأثر القدرات التشغيلية والإنتاج والتصدير بالحصار البحري المفروض.
تدهور القدرات العسكرية البحرية والمعادلات الإقليمية…
على الصعيد الإقليمي يتراجع وزن التهديدات العسكرية المباشرة لدول الجوار بفعل تآكل قدراته البحرية لاسيما بعد الأضرار البنيوية التي لحقت بقواعد بحرية حيوية مثل قاعدة كناراك.. هذا التصدع العسكري يحول التهديدات الصادرة عن بعض مفاصل الدولة إلى مجرد تكتيكات إعلامية للتغطية على التراجع الميداني.. كذلك يعكس صعوبة الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مما يدفع نظام الملالي إلى التمسك بحرب المعلومات كبديل منخفض التكلفة لمواجهة التفوق العسكري والتقني للأطراف المقابلة.
مهددات الاستقرار الداخلي للنظام الإيراني بين الإجهاد البيئي والأمن الغذائي..
بعيداً عن الصراعات الخارجية تواجه إيران أزمة أمن إنساني معقدة تتمثل في الإجهاد المائي الحاد الناجم عن جفاف مستمر لعدة سنوات؛ الأمر الذي يهدد بنزوح ملايين المواطنين وإحداث تغييرات ديموغرافية واجتماعية غير مستقرة.. ويتزامن هذا التحدي البيئي مع تضخم هيكلي متسارع انعكس في قفزات حادة لأسعار السلع الأساسية مثل الغذاء، وهو ما يضعف من قدرة الصمود الاقتصادي للدولة ويقوض “شرعية الإنجاز” التي تبحث عنها الحكومة أمام الشارع الإيراني.
صراع الذئاب والقبضة الأمنية
تنعكس هذه الأزمات المتداخلة على قمة الهرم السياسي من خلال احتدام حرب الأجنحة بين التيار المتشدد الرافض لأي صياغة دبلوماسية تشبه اتفاق عام 2015، والتيار البراغماتي الذي يرى في التفاوض مخرجاً إلزامياً.. ولمواجهة التداعيات المحتملة لهذا الانقسام يلجأ الجهاز القضائي والأمني إلى تشديد القبضة الأمنية وتكثيف أحكام الإعدام ضد الحركات الاحتجاجية والشباب الثائر بقيادة منظمات عميقة الجذور مثل منظمة مجاهدي خلق الایرانیة ووحدات المقاومة التابعة لها مما يشير إلى أن الهاجس الأكبر للنظام يتجاوز الضغوط الدبلوماسية الخارجية إلى مخاوف وجودية في الداخل تخشى اهتزاز الاستقرار الداخلي وتصاعد وتيرة الاحتجاجات الميدانية.
مستقبل المشهد الظلامي في إيران
تؤكد قراءة المشهد في ظل خفافيش الظلام الحاكمة في إيران أن استراتيجية “إدارة الأزمات بالتصدير” التي اعتمدها نظام الملالي لعقود باتت تواجه خطوطاً حمراء خاصة في ظل الاستحقاقات الداخلية والتحولات الإقليمية.. وإن الاعتماد المفرط على أدوات الحرب النفسية لتعويض الضعف الهيكلي العسكري والاقتصادي قد ينجح في تأجيل الأزمات مؤقتاً؛ لكنه لا يلغي حقيقة أن البيئة الداخلية في إيران باتت قابلة للاشتعال الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام ضرورة قراءة المشهد الإيراني من منظور التوازنات الداخلية الهشة وليس فقط عبر نافذة الخطاب الرسمي للنظام الحاكم.








