ملايين الإيرانيين يواجهون العزلة الرقمية والضغوط المعيشية والضرائب المتصاعدة
موقع المجلس:
يشهد الاقتصاد الرقمي في إيران تراجعاً حاداً نتيجة القيود المشددة على الإنترنت والأزمات المالية المتفاقمة، ما أدى إلى وقوع ملايين الإيرانيين بين مطرقة العزلة الرقمية وسندان الضغوط الاقتصادية والضرائب المتزايدة.
فمنذ الثامن من يناير، ومع تصاعد الانقطاعات الواسعة للإنترنت عقب الاحتجاجات والأوضاع التي تلت الحرب، دخل القطاع الرقمي الإيراني مرحلة حرجة تُعد من أسوأ مراحله على الإطلاق. وأسهمت القيود المفروضة على الوصول إلى الإنترنت العالمي في تعطيل أعمال مئات الآلاف من المتاجر الإلكترونية، وصنّاع المحتوى، والمدونين، والشركات التي تعتمد بشكل رئيسي على منصات التواصل الاجتماعي.
ويرى ناشطون ورواد أعمال أن ما يحدث يمثل انهياراً تدريجياً للاقتصاد الرقمي في البلاد، بينما بررت السلطات الإيرانية تلك الإجراءات بدواعٍ أمنية خلال فترات الاضطراب. في المقابل، رصدت منظمات دولية متخصصة بمراقبة الإنترنت انخفاضاً حاداً في مستوى اتصال إيران بالشبكة العالمية، وصل أحياناً إلى شبه عزلة كاملة.
وقد انعكست هذه القيود بصورة كارثية على الشركات الرقمية، بعدما فقد الكثير منها القدرة على التسويق وبيع المنتجات والتواصل مع العملاء، فضلاً عن تعطل الأنشطة التجارية اليومية بصورة شبه كاملة.
وفي موازاة ذلك، تواجه إيران أزمة حادة في قطاع الكهرباء، حيث يهدد عجز يقترب من 30 ألف ميغاواط بانقطاعات واسعة خلال صيف 2026، في ظل تدهور البنية التحتية للطاقة وعجز السلطات عن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من تصاعد الاحتقان الشعبي.
ويعتمد ملايين الإيرانيين على الاقتصاد الرقمي كمصدر أساسي للدخل، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 2.5 و3.7 مليون شخص يحققون دخلاً عبر منصة إنستغرام، إضافة إلى أكثر من 300 ألف متجر إلكتروني ينشط عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتكشف هذه الأرقام عن التحول الكبير الذي شهده الاقتصاد الرقمي في إيران، بعدما أصبح ركيزة أساسية لمعيشة ملايين المواطنين، ما جعل أي اضطراب في الإنترنت أو تشديد لسياسات الحجب ينعكس مباشرة على أوضاعهم المعيشية.
وفي هذا السياق، قدّر أفشين كلاهي، رئيس لجنة الاقتصاد القائم على المعرفة في غرفة التجارة الإيرانية، حجم الخسائر اليومية الناتجة عن قطع الإنترنت بما بين 30 و40 مليون دولار، فيما قد تصل الخسائر الإجمالية، مع احتساب التداعيات غير المباشرة، إلى نحو 80 مليون دولار يومياً.
وتبرز هذه الأرقام حجم الضرر الذي يتعرض له اقتصاد يعاني أساساً من معدلات التضخم المرتفعة وبطالة متزايدة وتراجع مستمر في القدرة الشرائية.
ورغم سنوات الحجب والرقابة، ما زال إنستغرام يشكل منصة رئيسية للنشاط التجاري الرقمي في إيران، إذ يعتمد ملايين المستخدمين على برامج الـVPN للوصول إليه. إلا أن القيود المتزايدة على الإنترنت وعدم استقرار الشبكة وصعوبة استخدام أدوات تجاوز الحجب جعلت إدارة الأعمال الرقمية أمراً بالغ الصعوبة.
وفي خضم هذه الأزمة، تواصل السلطات الإيرانية فرض الضرائب على المؤثرين وأصحاب الأعمال الرقمية، باعتبارهم ضمن الفئات الخاضعة للضرائب وفق القوانين المحلية. ويرى منتقدون أن هذه السياسات تضاعف الأعباء على قطاع يعاني أصلاً من انهيار البنية التحتية الرقمية، ما أدى إلى تراجع حاد في دخل كثير من العاملين، وإلغاء شراكات إعلانية، وتكبد خسائر كبيرة، بل وإغلاق بعض المشاريع نهائياً.
وتأتي هذه التطورات ضمن أزمة اقتصادية أوسع، حيث تسعى الحكومة إلى زيادة الإيرادات عبر توسيع نطاق الجباية الضريبية لمواجهة العجز المتفاقم في الموازنة، وهو ما يعتبره ناشطون عبئاً إضافياً يهدد بإنهاك الشركات الرقمية بشكل كامل.
كما يواجه العاملون في هذا القطاع أوضاعاً شديدة الهشاشة، إذ يعمل كثير منهم دون تأمين أو حماية وظيفية أو تمثيل نقابي، ما يجعل مستقبلهم المهني غير واضح في ظل الظروف الحالية. وقد اضطر بعضهم إلى إيقاف نشاطه بالكامل، فيما يفكر آخرون في الهجرة أو تغيير مجالات عملهم بحثاً عن الاستقرار الاقتصادي.
ورغم تدهور الأوضاع المعيشية واستمرار انهيار البنية التحتية الرقمية، لا تزال الضرائب تُفرض على هذا القطاع بصورة متواصلة، الأمر الذي يزيد من معاناة ملايين الإيرانيين الذين يعتمدون على الاقتصاد الرقمي كمصدر رئيسي للرزق.








