موقع المجلس:
بعد أكثر من مئة عام على اندلاع الثورة الدستورية في إيران، ما تزال البلاد تعيش صراعاً متكرراً بين مجتمع يسعى إلى الحرية والمشاركة السياسية، وسلطة حاكمة تتمسك بالهيمنة المطلقة وترفض أي تقليص لنفوذها.
وفي الوعي السياسي الإيراني، لم يعد مصطلح “الاستبداد الأصغر” مجرد توصيف تاريخي لمرحلة من عهد القاجار، بل أصبح رمزاً سياسياً يعبر عن لحظات مواجهة السلطة لمطالب الشعب بالحرية والمساءلة عبر القمع والعنف.
وقد ارتبط هذا المصطلح في بدايته بالفترة التي أعقبت الثورة الدستورية مطلع القرن العشرين، حين أُجهضت آمال الإيرانيين في بناء نظام دستوري وتمثيلي نتيجة عودة الحكم الاستبدادي بالقوة. إلا أن بقاء هذا المفهوم حتى اليوم يعكس استمرار النمط ذاته في الحياة السياسية الإيرانية.
فعلى امتداد التاريخ الحديث لإيران، كلما اتسعت المطالب الشعبية بالمشاركة السياسية وارتفع الوعي المجتمعي، تعاملت مراكز السلطة مع تلك المطالب بوصفها تهديداً مباشراً لبقائها. ولا تزال هذه المعادلة حاضرة بوضوح في المشهد الإيراني المعاصر.
الثورة الدستورية وبداية المواجهة مع الاستبداد
شكّلت الثورة الدستورية الإيرانية بين عامي 1905 و1911 أول محاولة جدية لتقييد الحكم المطلق وإقامة برلمان يمثل إرادة الشعب. ولأول مرة، ظهرت إمكانية فرض قيود قانونية على السلطة الملكية وإرساء مبدأ الحكم الدستوري.
غير أن هذه التجربة تعرضت لانتكاسة كبيرة عام 1908 عندما أمر محمد علي شاه بقصف البرلمان في طهران، لتبدأ مرحلة “الاستبداد الأصغر”. وخلال تلك الفترة أُغلقت الصحف، وتعرض أنصار الدستور للملاحقة والسجن، وتم القضاء على مساحة النقاش العام بالقوة.
ولم يكن العنف وحده ما جعل تلك المرحلة راسخة في الذاكرة السياسية، بل لأنها كشفت نمطاً متكرراً يتمثل في لجوء الأنظمة الاستبدادية إلى القبضة الأمنية كلما حاول المجتمع لعب دور أكبر في تحديد مستقبله السياسي. وبعد أكثر من قرن، ما زالت هذه المعادلة تحكم الواقع الإيراني.
إيران المعاصرة وعودة الأساليب القديمة
ورغم اختلاف الظروف بين إيران اليوم والعهد القاجاري، فإن جوهر الصراع بقي متشابهاً إلى حد بعيد. فمن ناحية، يوجد مجتمع يطالب بالحرية والعدالة والمساءلة السياسية، ومن ناحية أخرى تقف سلطة تعتبر السيطرة المركزية والأيديولوجية شرطاً لبقائها.
وقد تغيرت وسائل القمع مع الزمن، لكن طبيعتها بقيت ثابتة. ففي الماضي كانت الصحف تُغلق والمعارضون يُعتقلون، أما اليوم فتستخدم السلطات أدوات أكثر تطوراً تشمل الرقابة الرقمية، والاعتقالات الواسعة، والإعدامات، وفرض قيود على الإنترنت، إضافة إلى توسيع نفوذ المؤسسات الأمنية.
ويبقى السؤال الأساسي كما هو: من يحدد مستقبل إيران؟ هل هو الشعب أم المؤسسة الحاكمة؟
وقد برز هذا السؤال بوضوح خلال موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة، بدءاً من احتجاجات الطلبة عام 1999، مروراً بمظاهرات 2009 و2017 و2019، وصولاً إلى احتجاجات عام 2026، حيث واصل الإيرانيون المطالبة بتوسيع الحريات السياسية والاجتماعية رغم حملات القمع المتكررة.
ورغم شدة المواجهة الأمنية، فإن استمرار الاحتجاجات يعكس حقيقة راسخة داخل المجتمع الإيراني، وهي أن المطالبة بالكرامة والمشاركة السياسية لا يمكن القضاء عليها بالكامل.
الدور الخارجي في المشهد الإيراني
لكن الصراع في إيران لم يكن يوماً محصوراً بين الشعب والسلطة فقط، إذ لعبت القوى الأجنبية دوراً مؤثراً في تشكيل مسار البلاد السياسي.
فخلال الثورة الدستورية، حظي محمد علي شاه بدعم مباشر من روسيا القيصرية، التي ساعدت في تقوية المعسكر المناهض للدستور. كما لعبت وحدات القوزاق المدعومة من موسكو دوراً مهماً في قمع القوى الدستورية، بينما سعت بريطانيا بدورها إلى حماية مصالحها الاستراتيجية داخل إيران.
وقد رسخت تلك التجارب لدى الإيرانيين شعوراً بأن الاستبداد الداخلي كثيراً ما يتداخل مع المصالح والحسابات الدولية، وهو تصور لا يزال قائماً حتى اليوم.
ففي الوقت الذي يواصل فيه النظام الإيراني تشديد قبضته الأمنية، تنظر القوى الدولية غالباً إلى إيران من زاوية الملفات النووية، وأمن المنطقة، والطاقة، والتوازنات الجيوسياسية، أكثر من اهتمامها بالمطالب الديمقراطية للإيرانيين. ولهذا يشعر كثير من منتقدي النظام بأن الاستقرار السياسي يحظى بأولوية دولية تفوق دعم تطلعات الشعب الإيراني.
المقاومة كامتداد تاريخي
وفي هذا الإطار، ترى العديد من قوى المعارضة نفسها امتداداً تاريخياً للحركات التي قاومت الاستبداد منذ الثورة الدستورية وحتى اليوم. وتعتبر جماعات مثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية أن نشاطها يمثل استمراراً لمسار مقاومة الحكم السلطوي، سواء في صورته الملكية أو الدينية.
ويؤكد أنصار هذه الحركات أن وجود مقاومة منظمة يبقى ضرورياً في مواجهة نظام يعتمد، بحسب وصفهم، على القمع والإعدامات والهيمنة الأيديولوجية لضمان بقائه. وبغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة، فإن التاريخ الإيراني يبين أن حركات المقاومة غالباً ما تظهر كلما أُغلقت أبواب المشاركة السياسية وتم قمع المعارضة السلمية.
لماذا يبقى “الاستبداد الأصغر” حاضراً؟
إن استمرار حضور مفهوم “الاستبداد الأصغر” لا يرتبط فقط باستذكار حقبة تاريخية، بل لأنه يعكس العلاقة المتوترة والمتكررة بين السلطة والمجتمع في إيران.
فقد تتمكن الأنظمة الاستبدادية من تأخير التغيير السياسي لفترات معينة عبر أدوات القوة والخوف والرقابة، لكن التجارب التاريخية تظهر أن القمع لا ينجح دائماً في إنهاء مطالب الشعوب بالحرية والمشاركة.
لقد نجت الثورة الدستورية من محاولات القضاء عليها بفضل مقاومة مدن مثل تبريز، حيث أعاد الدستوريون تنظيم صفوفهم واستعاد المجتمع جزءاً من مساحته السياسية رغم القمع العنيف.
ولا يزال هذا الدرس حاضراً حتى اليوم؛ فطالما استمرت الأزمات المرتبطة بالإقصاء السياسي واحتكار السلطة والرقابة وعدم المساواة، ستبقى احتمالات الاحتجاج والمقاومة قائمة بأشكال مختلفة.
لذلك، فإن “الاستبداد الأصغر” لم يعد مجرد عنوان لفترة من الماضي، بل أصبح مرآة تعكس الصراع المتواصل بين السلطة المطلقة والسيادة الشعبية في إيران، وهو صراع لا يزال يشكل أحد أهم التحديات السياسية في تاريخ البلاد الحديث.








