موقع المجلس:
يشهد قطاع الدواء والمستلزمات الطبية في إيران أزمة متفاقمة انعكست بصورة مباشرة على حياة المرضى، في ظل اضطرابات حادة في سوق الأدوية وارتفاع غير مسبوق في الأسعار. وقد أصبح انتشار الوسطاء والسماسرة في شوارع طهران مؤشراً واضحاً على حجم التدهور الذي أصاب المنظومة الصحية، بعدما تحولت الأدوية الأساسية، خصوصاً الخاصة بالأمراض المزمنة والمستعصية، إلى سلع نادرة تُباع أحياناً عبر السوق السوداء بأسعار تفوق قدرة معظم المواطنين.
وترتبط الأزمة بصعوبات تأمين العملة الأجنبية اللازمة للاستيراد، إلى جانب تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف المواد الخام المستخدمة في صناعة الأدوية. وأدى ذلك إلى اختفاء أنواع عديدة من العلاجات الحيوية أو توفرها بأسعار مرتفعة للغاية، ما وضع المرضى بين خيارين قاسيين: إما تحمل التكاليف الباهظة أو مواجهة خطر عدم الحصول على العلاج.
ارتفاع التكاليف يهدد استمرار الإنتاج
وفي هذا السياق، صرح محمد جماليان، عضو لجنة الصحة في البرلمان الإيراني، في مايو 2026، بأن قطاع الدواء بات يواجه معادلة صعبة بين ارتفاع الأسعار أو انقطاع الأدوية من السوق. وأوضح أن زيادة تكاليف المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج دفعت الشركات المصنعة إلى المطالبة برفع الأسعار للحفاظ على استمرار عملها، محذراً من أن فرض قيود سعرية صارمة قد يؤدي إلى تفاقم النقص وزيادة الاعتماد على الواردات مرتفعة التكلفة.
كما أشار إلى أن عدداً كبيراً من طلبات تعديل أسعار الأدوية لم تتم الموافقة عليها، ما دفع بعض المنتجين إلى تقليص الإنتاج أو الانسحاب من السوق، الأمر الذي ساهم في تعميق أزمة النقص الدوائي.
أزمة العملة وفوضى التوزيع
ولم تتوقف الأزمة عند حدود التصنيع، بل امتدت إلى عمليات الاستيراد والتوزيع، حيث أدت تقلبات العملة الأجنبية إلى اضطراب سلاسل التوريد وظهور اختلالات كبيرة في السوق. كما تحدثت تقارير محلية عن انتشار ممارسات احتكارية وبيع أدوية منتهية الصلاحية في بعض المناطق، إضافة إلى اضطرار مرضى من المحافظات للسفر إلى طهران بحثاً عن أدوية نادرة أو مفقودة.
وتزايدت الضغوط أيضاً على الصيدليات وشركات التأمين، مع تراكم الديون الحكومية وتأخر سداد المستحقات، ما أضعف قدرة المؤسسات الصحية على الاستمرار في تقديم الخدمات بصورة مستقرة.
اختفاء أدوية أساسية من الأسواق
من جهته، أكد همايون نجف آبادي، في تصريحات خلال مايو 2026، أن العديد من الأدوية التي كانت متوفرة بسهولة في السابق أصبحت شبه مفقودة، مشيراً إلى نقص واضح في أدوية أمراض القلب والعيون وبعض الحقن العلاجية الأساسية.
ويرى مختصون أن السبب الرئيسي وراء هذا الارتفاع الكبير في الأسعار يعود إلى إلغاء الدعم الحكومي المخصص لاستيراد المواد الخام الدوائية، بعدما انتقلت عملية التمويل من أسعار صرف مدعومة إلى أسعار السوق الحرة، ما أدى إلى زيادة ضخمة في تكاليف الإنتاج انعكست مباشرة على المستهلكين.
تضخم الأسعار وتراجع القدرة العلاجية
وفي محاولة لتفسير الوضع، قال وزير الصحة الإيراني محمد رضا ظفرقندي إن البلاد تمر بظروف استثنائية تتطلب تعاوناً عاماً، غير أن منتقدين يرون أن سوء الإدارة والتقلبات النقدية ساهمت في تحويل أزمة الدواء إلى تهديد حقيقي للصحة العامة.
وقد أدى إلغاء سعر الصرف المدعوم للأدوية إلى قفزات حادة في الأسعار، واختفاء مئات الأصناف العلاجية من الأسواق. وبينما تستمر الوعود الرسمية بتحسين الخدمات الصحية، يواجه المرضى، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة والنادرة، صعوبات متزايدة في الحصول على العلاج اللازم.
أرقام تعكس عمق الأزمة
وتكشف الإحصائيات المتداولة حجم الضغوط التي تواجهها الأسر الإيرانية، حيث تشير بعض التقارير إلى أن عدداً كبيراً من المرضى يتراجعون عن شراء الأدوية بسبب ارتفاع الأسعار. كما سجلت أدوية الأمراض العصبية والسكري وغيرها من العلاجات الأساسية زيادات كبيرة، في حين ارتفعت كذلك أسعار المكملات الغذائية والمستلزمات الطبية المرتبطة بالعمليات الجراحية والاستشفاء.
وحذر مسؤولون في مؤسسات تُعنى بالأمراض النادرة من أن استمرار انقطاع الأدوية قد يهدد حياة آلاف المرضى الذين يعتمدون على العلاج المنتظم. كما أطلقت جمعيات مهنية، بينها جمعية الصيادلة، تحذيرات من انهيار سلاسل الإمداد الدوائي وما قد يترتب عليه من تداعيات صحية واجتماعية خطيرة.
وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن الأزمة الصحية في إيران تجاوزت كونها مشكلة اقتصادية مؤقتة، لتتحول إلى تحدٍ إنساني واسع يهدد قدرة ملايين المواطنين على الحصول على الرعاية والعلاج الأساسيين.








