أعمدة الدخان تتصاعد بعد ضربة جوية على العاصمة الإيرانية طهران
ایلاف – محمود حكميان:
طرح بديل سياسي متكامل لمرحلة ما بعد نظام ولاية الفقيه قائم على حكومة انتقالية وانتخابات ديمقراطية.
في لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة، ومع مقتل الدكتاتور علي خامنئي، وتهاوي أركان نظام ولاية الفقيه تحت ضربات الشعب المنتفض والواقع الميداني المتفجر، لم يعد الحديث عن “البديل” مجرد تنظيرٍ سياسي، بل أصبح ضرورةً وجوديةً لملء الفراغ وإنقاذ إيران. اليوم، وبينما تلفظ الدكتاتورية الدينية أنفاسها الأخيرة وسط نيران الحرب والاضطرابات، يبرز “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” كصخرةٍ صلبةٍ ومشروع دولةٍ متكامل، معلنًا تفعيل “الحكومة المؤقتة الانتقالية” بقيادة السيدة مريم رجوي، لتكون الجسر الآمن الذي يعبر بإيران من ظلام القرون الوسطى إلى نور الجمهورية الديمقراطية.
لم يولد هذا البديل من رحم الصدفة أو كرد فعلٍ آني على الأحداث الجارية. فالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي تأسس عام 1981 بمبادرةٍ من السيد مسعود رجوي في طهران، لطالما مثّل “برلمان المقاومة” والوعاء الجامع لكل القوى الوطنية والديمقراطية. لقد صمد هذا الائتلاف لأكثر من أربعة عقودٍ في وجه أعتى حملات الإعدام والملاحقة، رافعًا شعارًا لا حياد عنه: “لا لدكتاتورية الشاه، ولا لدكتاتورية الملا”.
واليوم، تتجلى حكمة ذلك التأسيس؛ فمع انهيار رأس النظام، لا تجد إيران نفسها أمام المجهول، بل أمام هيكليةٍ سياسيةٍ وتنظيميةٍ متجذرةٍ تضم ممثلين عن كافة القوميات والأقليات الدينية والمذهبية، وتستند إلى شرعيةٍ تاريخيةٍ ونضاليةٍ دفعت ثمنها دماء أكثر من 120 ألف شهيد.
ما يميز الطرح السياسي للمقاومة اليوم، ونحن نعيش واقع ما بعد خامنئي، هو الوضوح التام في “خارطة طريق انتقال السلطة”. إن إعلان السيدة مريم رجوي عن تفعيل مهام “الحكومة المؤقتة” يقطع الطريق على أي محاولاتٍ لتدوير النظام أو عودة فلول الدكتاتورية السابقة.
تستند هذه الحكومة في جوهرها إلى مبدأ “مؤقتية السلطة”؛ فهي ليست سلطةً بديلةً لفرض الهيمنة، بل أداةٌ تنفيذيةٌ مهمتها الرئيسية والوحيدة هي الإشراف على نقل السيادة إلى الشعب خلال فترةٍ زمنيةٍ محددةٍ (لا تتجاوز 6 أشهر عادةً وفق أدبيات المجلس)، تنتهي بإجراء انتخاباتٍ حرةٍ ونزيهةٍ لتشكيل “المجلس التأسيسي والتشريعي”. هذا المجلس المنتخب هو من سيكتب دستور الجمهورية الجديدة ويعين الحكومة الدائمة. إنها هندسةٌ سياسيةٌ دقيقةٌ تضمن عدم استبدال استبدادٍ بآخر.
في خضم الأمواج المتلاطمة والفوضى العارمة التي تعصف بالداخل الإيراني، يبرز “برنامج النقاط العشر” للسيدة مريم رجوي ليس فقط كخارطة طريقٍ سياسية، بل كمنارة توجيهٍ وصيغةٍ لعقدٍ اجتماعيٍ عصري يهدف إلى انتشال البلاد من أزماتها المزمنة. هذا الميثاق يتجاوز الشعارات التقليدية ليقدم رؤيةً استراتيجيةً شاملةً تضع “صناديق الاقتراع” كمعيارٍ وحيدٍ وأسمى للشرعية، مؤسسةً بذلك لنظامٍ تعدديٍ يضمن حرية الأحزاب والتجمعات، ويكسر احتكار السلطة الذي عانت منه إيران لعقود.
وتتجلى القوة الهيكلية لهذا البرنامج في سعيه الدؤوب لإنهاء حقبة المتاجرة بالدين من خلال الفصل التام بين الدين والدولة، وهو الإجراء الكفيل بحماية قدسية المعتقدات ومنع توظيفها في القمع السياسي. وبالتوازي مع هذا التحول الهيكلي، يطرح البرنامج ثورةً حقوقيةً شاملةً تقر بالمساواة الكاملة والناجزة بين المرأة والرجل في كافة الميادين السياسية والاجتماعية، بالتزامن مع إقرار نظام الحكم الذاتي للقوميات المختلفة تحت مظلة وحدة إيران الترابية؛ وهي خطوةٌ جوهريةٌ لرفع الاضطهاد المزدوج عن الكرد والبلوش والعرب والآذريين، وضمان انصهارهم في بوتقة المواطنة المتساوية.
وعلى صعيد العدالة والكرامة الإنسانية، يرسم الميثاق ملامح قضاءٍ مستقلٍ ومنزه، يقطع الطريق نهائيًا مع أحكام الشريعة المشوهة التي اعتمدها نظام الملالي، معلنًا بوضوح إلغاء عقوبتي الإعدام والتعذيب التزامًا بالمواثيق الدولية. ولا يغفل البرنامج الجانبين المعيشي والبيئي، حيث يدعو إلى بناء اقتصادٍ وطنيٍ يضمن تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية بعيدًا عن هيمنة المافيات المالية، مع وضع خطط إنقاذٍ عاجلةٍ للبيئة الإيرانية التي نخرها فساد مؤسسة الحرس الثوري. وفي ختام هذه الرؤية المتكاملة، يبرز الالتزام بـ “إيران غير نووية” كركيزةٍ أساسيةٍ لسياسةٍ خارجيةٍ قائمةٍ على التعايش السلمي وحسن الجوار، مما يحول إيران من مصدرٍ للتوتر إلى شريكٍ فاعلٍ في استقرار المنطقة والعالم.
إن الرسالة التي يوجهها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية اليوم، في 28 شباط (فبراير) وما تلاه من أيامٍ حاسمة، هي رسالةٌ مزدوجة:
للداخل الإيراني: السيادة ملكٌ لكم، والنظام قد انتهى بموت رأسه، والمستقبل تصنعونه أنتم عبر مقاومتكم المنظمة، لا عبر التدخلات الخارجية ولا عبر المساومات.
للمجتمع الدولي: إن الحل المستدام في إيران والمنطقة لا يمر إلا عبر الاعتراف بـ “الحكومة المؤقتة” ودعم حق الشعب الإيراني في استعادة سيادته المسلوبة.
لقد سقط نظام ولاية الفقيه، ومات خامنئي غير مأسوفٍ عليه. ونحن اليوم لا نتحدث عن “معارضة” بل عن “حكومة بديلة” جاهزة، تمتلك البرنامج، والهيكلية، والقيادة، والقاعدة الشعبية المتمثلة في “وحدات المقاومة“. إن ساعة الحقيقة قد دقت، وإيران الغد هي جمهوريةٌ ديمقراطيةٌ، علمانيةٌ، وغير نووية.








