موقع المجلس:
تقوم الأنظمة الشمولية عادة على روايات أيديولوجية صلبة تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وتفرض الطاعة دون نقاش، وتقصي التعددية. ومع مرور الزمن، يتضح أن هذه الأنظمة لا تعالج الأزمات، بل تعيد إنتاجها وتزيد من حدّتها. واليوم، تجد إيران نفسها أمام منعطف تاريخي بالغ الخطورة؛ ففي الوقت الذي يترنح فيه نظام الملالي تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والقمع العنيف، تسعى بعض التيارات إلى استثمار حالة الإحباط الشعبي للدفع باتجاه أشكال جديدة من الاستبداد، عبر الترويج للعودة إلى ديكتاتورية الماضي المتمثلة في حكم الشاه.
من حكم الثيوقراطية إلى إغواء الاستبداد البديل
على مدى ما يقارب خمسة عقود، خضعت إيران لنظام قائم على عقيدة ولاية الفقيه، وهو تأويل منحرف للدين والسياسة يتركز فيه القرار بيد سلطة غير منتخبة. وقد أفضى ذلك إلى أزمات متلاحقة: قمع ممنهج، تدهور اقتصادي، تفكك اجتماعي، تفشي الفساد، ودمار بيئي واسع.
هذه الأزمات لم تكن نتاج الصدفة، بل نتيجة مباشرة لنظام يغلق منافذ النقد ويقمع أي محاولة إصلاح. فعندما يُسلب المواطن حقه في الاختيار الحر، والتعبير، ومحاسبة المسؤولين، تتحول المشكلات إلى أزمات متراكمة بلا حلول.
ويُظهر لنا التاريخ أن مثل هذه اللحظات شديدة الخطورة؛ إذ غالباً ما تهيئ الأوضاع المنهارة أرضية خصبة لصعود الحركات المتطرفة. وتجربة أوروبا عقب أزمة عام 1929 الاقتصادية مثال واضح، حيث فتحت المعاناة الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي الطريق أمام الفاشية للوصول إلى الحكم في ألمانيا.
الخلاصة واضحة: حين تكون الديمقراطية ضعيفة ويغرق المجتمع في اليأس، تجد الأفكار الاستبدادية فرصتها للتمدد بزخم مدمر.
وحدات المقاومة في خمس مدن إيرانية ترحب بالحكومة المؤقتة
في سياق الحراك الميداني المتصاعد، بعثت وحدات المقاومة برسائل دعم إلى جيش التحرير، مرحبة بإعلان الحكومة المؤقتة. وأكد المشاركون في تسجيلاتهم المصورة استعدادهم الكامل لإسقاط النظام وترسيخ سيادة الشعب خلال المرحلة الانتقالية.
دعم ميداني متزايد للبديل الديمقراطي وجيش التحرير الوطني
فخ تقديس الفرد… عودة مقنّعة للفاشية
تواجه إيران اليوم خطراً مشابهاً. ففي ظل الإحباط العميق الذي خلفته الديكتاتورية الدينية لنظام الملالي، تروج بعض القوى لفكرة العودة إلى حكم الشاه باعتباره حلاً جاهزاً.
غير أن طرح هذا الخيار لا يتم بوصفه نظاماً دستورياً بضمانات ديمقراطية، بل باعتباره ولاءً مطلقاً لشخص واحد لا يخضع للمساءلة، ما يحوله إلى شكل آخر من أشكال الاستبداد القائم على الفرد.
إن ترديد شعارات من قبيل “أمة واحدة، شاه واحد”، أو السعي لإحياء ألقاب ملكية اندثرت، ليس أمراً بريئاً. فهذه الرموز تخاطب، نفسياً، ميولاً لدى من يفضلون الاحتماء بسلطة أبوية قوية بدلاً من تحمل أعباء الخيار الديمقراطي. وفي هذه السرديات، يُستبدل مفهوم المواطنة بالولاء، والمساءلة بالتقديس.
وهكذا تتشكل النزعات الفاشية؛ لا بالضرورة عبر المظاهر العسكرية، بل من خلال تمجيد الزعيم الأوحد، ورفض التعددية، والاستخفاف بالقيم الديمقراطية.
تشويه الواقع: صناعة الأوهام ووصم المعارضين بالخيانة
من أبرز سمات الفاشية طمس الحدود بين الحقيقة والزيف، وخلط الوقائع بالمبالغات إلى حد فقدان القدرة على التمييز.
فعلى سبيل المثال، تُتداول أرقام مضخمة بشأن المشاركين في تظاهرات خارجية، أو تُطلق مزاعم غير موثقة بأن أغلبية الإيرانيين تؤيد شخصية بعينها. وعندما يُصوَّر تجمع محدود على أنه حشد هائل، لا يكون الهدف الدقة، بل التأثير على الرأي العام وصناعة وهم الزخم الشعبي.
وتُسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الوهم، عبر شبكات منسقة تغرق المنصات برسائل متكررة لإيهام المتلقي بوجود تأييد واسع. وفي هذا السياق، يصبح الواقع أقل أهمية من السردية المصطنعة.
تزدهر الفاشية في أجواء الارتباك هذه، حيث يُختلق “شعب” موحّد خلف قائد واحد، بينما يُصنَّف كل مخالف أو ناقد كعدو أو خائن.
لماذا تكتسب هذه القضية أهمية خاصة اليوم؟
خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع الانتفاضات الوطنية الواسعة، بات المشهد السياسي الإيراني بالغ الاستقطاب. فمن جهة، يقف النظام الحاكم بأجهزته القمعية، ومن جهة أخرى، تتعدد أطياف المعارضة الساعية إلى رسم ملامح المستقبل.
وتكمن الخطورة الحقيقية في احتمال إعادة إنتاج الاستبداد بواجهة جديدة، ما لم يرفضه المجتمع من حيث المبدأ. فإذا كانت الأزمة في جوهرها نابعة من سلطة مطلقة بلا مساءلة، فإن استبدالها بسلطة مشابهة لن يعالج الخلل الأساسي.
كما تثار مخاوف موثقة من قيام دوائر داخل آلة الدعاية التابعة لنظام الملالي بتغذية السرديات الاستقطابية بهدف تفتيت صفوف المعارضة. ومن خلال الترويج لبدائل متطرفة ومرفوضة تاريخياً، مثل إحياء نظام الشاه، يسعى النظام إلى تشويش المشهد السياسي ومنع تبلور بديل ديمقراطي حقيقي يرفض جميع أشكال الديكتاتورية.
جيمس جونز لـ ABC News: خطة رجوي مسار ديمقراطي جيفرسوني
أكد مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، الجنرال جيمس جونز، أن خطة النقاط العشر التي قدمتها السيدة مريم رجوي تشكل رؤية متكاملة تضمن انتقال إيران إلى ديمقراطية حقيقية، واصفاً إياها بمسار جيفرسوني ينسجم مع تطلعات الشعب الإيراني.
دعم دولي لخارطة طريق المقاومة الإيرانية لما بعد الاستبداد
الجنرال جيمس جونز
جوهر الإشكالية: ديمقراطية أم استبداد؟
في العمق، لا يتمحور الجدل حول مستقبل إيران حول الأشخاص، بل حول طبيعة النظام السياسي ذاته.
فالفاشية، سواء ارتدت لباساً دينياً أو استندت إلى حنين زائف لعهد ملكي، تتقاسم سمات مشتركة:
احتكار السلطة بيد فرد واحد.
إقصاء التنافس الديمقراطي.
قمع المعارضين وإسكات الأصوات المختلفة.
تعبئة عاطفية غوغائية على حساب الحوار العقلاني.
عند اجتماع هذه العناصر، تفقد المسميات قيمتها أمام خطورة المضمون.
تقف إيران اليوم عند لحظة مفصلية. فبعد عقود من القهر، يطالب المواطنون بالحرية والكرامة وحكم يخضع للمساءلة. غير أن الأزمات قد تشوّه الوعي السياسي، وقد تجعل الوعود الاستبدادية تبدو مغرية للبعض في لحظات اليأس.
إن الضمانة الوحيدة تكمن في وضوح الرؤية: الرفض المطلق لكل أشكال الديكتاتورية، سواء كانت دينية متسلطة (نظام الملالي) أو استبداداً ملكياً متخيلاً (نظام الشاه). فمستقبل إيران لا يُصنع باستبدال مستبد بآخر، بل ببناء مؤسسات وطنية تصون الحقوق، وتحد من تغول السلطة، وتكفل السيادة الشعبية الحقيقية.
ومن دون هذا الأساس، يبقى خطر تكرار مآسي التاريخ قائماً.








