بقلم – حسين داعي الإسلام:
كشف تقرير نشرته مجلة «إنترناشيونال بوليسي دايجست» أن موجة الترويج لابن الشاه في الفضاء الإلكتروني الإيراني ليست حراكًا عفويًا، بل حملة رقمية مُخطط لها تهدف إلى إرباك صفوف المعارضة، وتشويه رسالتها، وإعادة تقديم انتفاضة ديمقراطية واسعة باعتبارها حنينًا منظمًا لعودة الملكية. وأكد التقرير أن المعركة الدائرة لم تعد تقتصر على الشارع، بل انتقلت إلى ساحة السرديات الرقمية عبر الخوارزميات والتلاعب المنهجي بالمحتوى، في محاولة للسيطرة على معنى الاحتجاج وتوجيهه سياسيًا.
وجاء في التقرير:
في الخنادق الرقمية للانتفاضة الجارية في إيران، فُتحت جبهة جديدة وماكرة. فإلى جانب الرقصة المتكررة للقمع والاعتقالات والاعترافات القسرية، تدور الآن، في الخطوط الزمنية ومن خلال القنوات المشفّرة، معركة أكثر هدوءًا. إنها حرب ظل لا تُخاض بالهراوات والغاز المسيل للدموع، بل بالخوارزميات، والأصوات الاصطناعية، والدقة الصامتة لبرمجيات التحرير الرقمي. والهدف ليس مجرد قمع الاحتجاجات، بل «اختطافها»؛ الاستيلاء على السردية في اللحظة ذاتها، ودفع معنى الاحتجاج نحو رواية تخدم [القامعين].
وفي صميم هذا الجهد، هناك محاولة دؤوبة لربط حركة احتجاج وطنية عفوية بشخصية واحدة مثيرة للانقسام: رضا بهلوي، ابن آخر ملوك إيران المنفي. ويشير عدد متزايد من التقارير والتحليلات التقنية إلى أن الموجة الظاهرية من الحنين إلى الملكية في الفضاء الرقمي ليست انتفاضة شعبية عفوية، بل حملة مُهندسة بعناية. ويجمع خبراء الأدلة الجنائية الرقمية، وشبكات النشطاء، بل وحتى تصريحات وسائل إعلام مرتبطة بالحكومة، على اتجاه واحد. ويبدو الهدف صريحًا: إحداث شقاق داخل المعارضة، وتشويه رسالتها، وإعادة تصوير انتفاضة ديمقراطية واسعة باعتبارها حملة نوستالجية لإعادة الملكية.
هذه التكتيكات قديمة قِدم النزاعات السياسية نفسها: «اصنع ثنائية زائفة لتقيّد خيال الحركة». لكن الأدوات المتاحة اليوم جعلت هذه الاستراتيجية أكثر قوة وأصعب كشفًا. وكما وثّقت التحليلات التقنية لمحللين مثل «حسين يزدي»، فإن المقاطع المنتشرة والمنشورات الفيروسية تُظهر أنماطًا من التلاعب تتوافق مع عمليات استخباراتية منسّقة. وهذا المشروع الجاري على الإنترنت يشبه عملية متعمدة لصناعة أسطورة مفادها أن «الجيل المحتج في إيران يتوق سرًا إلى عودة ملكية بهلوي».
صحيفة نرويجية: جيش من الحسابات الوهمية يلمع صورة ابن الشاه
شخصيات أوروبية بارزة : خطة النقاط العشر لمريم رجوي هي المسار الوحيد لإنقاذ إيران.. ولا عودة لديكتاتورية الشاه
من الناحية النفسية، منطق هذا المسعى واضح. فإذا أمكن إعادة تعريف الفضاء العام كمنافسة ثنائية — بين المرشد الحالي ووريث الشاه السابق — فإن «الطبقة الوسطى الواسعة» تتفكك. ملايين الأشخاص الذين يحلمون بجمهورية ديمقراطية (ليست ثيوقراطية ولا ملكية) يصبحون مشرّدين سياسيًا. يتلاشى أفقهم ويضعف تماسكهم. حركة كانت تعبّر عن التعددية والحقوق المدنية يُعاد تصويرها كصراع عائلي (سلالي). وفي هذا التضييق للخيارات، يكسب النظام الأفضلية.
هذا الهجوم الرقمي يعمل على جبهتين متداخلتين: اختراق ميداني للاحتجاجات والتلاعب افتراضيًا بكيفية رؤيتها.
في الشوارع، وصف نشطاء في مدن مثل مريوان نمطًا متكررًا. ففي تجمعات في أماكن مثل مشهد، اندسّ أشخاص يُعتقد أنهم عناصر بملابس مدنية بين الجموع وردّدوا شعارات تمجّد رضا بهلوي. ووفق تقارير نشطاء أكراد وشهادات شهود عيان، لم تكن هذه التحركات انفجارًا عفويًا للحنين الملكي، بل تدخلات محسوبة لإثارة الالتباس وخلق صورة بصرية لحركة منقسمة. وبحقن شعارات مؤيدة لبهلوي في احتجاجات مناهضة للنظام، تستطيع السلطات لاحقًا تبرير قمع أشد، أو تشويه سمعة التظاهرات بوصفها حركة ذات أيديولوجيا ملتبسة.
الجهات التي يُشار إليها مرارًا في هذه التقارير تشمل الحرس الثوري وقوات الباسيج. فكلاهما يملك سجلًا طويلًا في إرسال عملاء مندسين إلى فضاءات المجتمع المدني لمراقبة الاحتجاجات وتعطيلها. وفي هذه الحالة، يخدم التكتيك هدفًا مزدوجًا: زرع الانقسام بين المحتجين، وإنتاج مواد خام يمكن لاحقًا تحريرها وإعادة تدويرها ونشرها على الإنترنت كدليل على إحياء النزعة الملكية.
إذا كانت استراتيجية الشارع فظة وبسيطة، فإن الذراع الرقمية أكثر تعقيدًا بكثير. فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو يُزعم أنها تظهر حشودًا تهتف دعمًا لرضا بهلوي. وللوهلة الأولى تبدو اللقطات أصلية: قبضات مرفوعة، إيقاعات متناسقة، لافتات تلوّح في ساحات خافتة الإضاءة. إلا أن التحليلات المستقلة تكشف صورة مختلفة. فقد رصد الخبراء تناقضات متكررة، مثل تشققات صوتية توحي بتسجيلها في بيئات مضبوطة لا في فوضى احتجاجات الشوارع، وهتافات يتردد صداها بشكل غير طبيعي في فضاءات مفتوحة، وحركات شفاه لا تتطابق مع الكلمات المسموعة.
وفي حالات كثيرة، تغيب أصوات البيئة المتوقعة في احتجاج كبير — صفارات الإنذار، تداخل الهتافات، ضجيج مكبرات الصوت. يبدو الصوت نظيفًا ومركّزًا أكثر من اللازم ومنفصلًا عن المشهد المرئي. إنه يحمل بصمة إنتاج استوديو، لا اضطراب شارع. هذه التناقضات التقنية المتكررة في عشرات المقاطع تشير إلى عملية منهجية: تفريغ المواد الأصلية من صوتها الواقعي وإضافة شعارات مُلفّقة عليها (Overdubbed).
ومن الأمثلة التي خضعت لفحص واسع، فيديو صُوّر أصلًا خلال تجمع طلابي عام 2022 في جامعة شريف الصناعية بطهران، حيث كان المتظاهرون يرددون شعارات مناهضة صريحة للنظام، وكان الحدث موثقًا جيدًا آنذاك. لكن بعد أشهر، بدأت نسخة معدّلة من الفيديو تنتشر، حُذف فيها الصوت الأصلي واستُبدل بشعارات مؤيدة للملكية. مشهد كان رمزًا للصمود ضد الحكم الاستبدادي تحوّل إلى ما يبدو «دليلًا» على إحياء الملكية.
وقد تم تتبع تعديلات مشابهة في مقاطع من جامعات أخرى، منها جامعة علامه طباطبائي. وبعد تحريرها، لم تبق هذه المقاطع في حسابات مجهولة، بل تم بثها أو تضخيمها عبر قنوات تلفزيونية خارج البلاد. لكل من هذه الشبكات مصادر تمويلها وميولها السياسية الخاصة، وبرامجها تصل إلى ملايين داخل إيران وخارجها. المسار هنا ذو دلالة: يظهر مقطع مُحرّف على الإنترنت، يجذب الانتباه، يُبث عبر وسيلة إعلام ذات توجهات معينة، ثم يعود إلى الفضاء الرقمي بغطاء «الشرعية». وفي حلقة التكرار هذه، يتحول «التزييف» عبر إعادة النشر إلى «واقع».
وربما يكون البعد الأكثر دلالة في هذه الحملة ليس ما يتم إخفاؤه، بل ما يُقال علنًا. فبينما تدور السرديات المؤيدة لبهلوي عبر قنوات خفية وشبه خفية، تتحدث وسائل الإعلام الرسمية للنظام بوضوح أكبر عن أعدائها الرئيسيين. فقد ركّزت تغطيات وسائل الإعلام المرتبطة بالحرس الثوري على دور شبكات المعارضة الراسخة وما يسمى «وحدات المقاومة» في تنسيق الاحتجاجات. تركيزهم ليس على نوستالجيا ملكية، بل على نشاطات منظمة ذات مطالب ديمقراطية.
وهذا التمييز مهم. فهو يشير إلى أن التهديد الأساسي، وفق حسابات النظام نفسه، ليس حركة لإعادة الملكية، بل ائتلاف جمهوري لا مركزي قادر على الحفاظ على الضغط عبر الطبقات الاجتماعية والمناطق القومية المختلفة. ومن ثم، فإن الترويج الهادئ لرواية بهلوي يعمل كـ«تشتيت» أكثر منه تأييدًا. فمن خلال تضخيم خيار استقطابي، يستطيع المسؤولون تفكيك التحالفات وتحويل النقاش العام من المطالب الراهنة إلى مظالم الماضي.
في الواقع، يتم خلق «معارضة قشّية» (Strawman) يسهل كاريكاترتها ومهاجمتها. وبالنسبة لجيل هتف مرارًا ضد الملكية وضد الحكم الديني، تبدو هذه الثنائية المفروضة غريبة عنه. فالشعارات التي ترددت من طهران إلى كردستان ليست مديحًا لذكريات سلالية، بل رفضًا قاطعًا للاستبداد بجميع أشكاله: «الموت للديكتاتور»، «الموت للظالم، سواء كان الشاه او خامنئي »، وبشكل أوضح: «لا بهلوي لا خامنئي، ديمقراطية ومساواة».
هذه الشعارات تعبّر عن رفض البدائل الزائفة للماضي، وعن خيال سياسي يتجاوز أقطاب تاريخ إيران في القرن العشرين. وهذا «الخيال» تحديدًا هو ما تحاول «التزييفات العميقة» (Deepfakes) تشويهه.
إن حملة إعادة تصوير احتجاجات إيران كإحياء للنزعة الملكية تعمل كنوع من «الإلهاء الاستراتيجي». فهي تحوّل الانتباه من المطالب الهيكلية — استقلال القضاء، المساواة الجندرية، حرية التعبير — إلى صراع رمزي حول النسب والأصول. وبالنسبة للنظام، يوفر هذا التأطير فرصة لالتقاط الأنفاس. فالمراقبون الدوليون الذين يواجهون روايات متناقضة قد يترددون، وصانعو السياسات الذين يشكّون في تماسك الحركة قد يؤجلون الانخراط. في هذا السياق، يصبح «الارتباك» مصدر قوة.
بالنسبة للصحفيين والمحللين، تقتضي الضرورة الحالية «صرامة منهجية». يجب التحقق من المقاطع الفيروسية، وفحص المسارات الصوتية بدقة، وإعادة بناء السياق بدل افتراضه. ففي عصر تستطيع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي تقليد الأصوات والتلاعب بالفيديوهات بصورة مقنعة، فإن الشك ليس تشاؤمًا، بل واجب مهني.
القصة الأعمق للاحتجاجات الإيرانية لا توجد في ملفات صوتية نظيفة ومشبوهة أو في مقاطع مونتاج جاهزة لمنصات التواصل، بل في اللقطات غير المحررة، والبثوث المباشرة منخفضة الجودة، والشهادات التي تم تهريبها مع خطر شخصي. إنها تستمر في إصرار متظاهرين يرفضون كلًا من الحكم المطلق الديني والعودة الملكية. والحقيقة الثابتة هي أن الأنظمة السلطوية تخوض بشكل متزايد حربين في آن واحد: «الميدان الفيزيائي» و«الموجز الرقمي».
إن فهم لحظة إيران الراهنة يتطلب إدراك أن القمع يشمل اليوم القدرة على «إعادة كتابة الواقع نفسه». قد تُطلق الرصاصات، لكن البكسلات تُطلق أيضًا. وفي تلك المساحة المتنازع عليها بين ما يُرى وما يُسمع، يظل معنى الحركة معلقًا.








