صورة للاحتجاجات في ایران-
موقع المجلس:
يعود التاريخ الإيراني المعاصر ليقف عند لحظة فاصلة جديدة، تتقاطع فيها قوة الاقتصاد التقليدي المتمثلة في البازار مع وعي الحداثة الذي تجسده الجامعة، في اصطفاف نادر ضد بنية السلطة الحاكمة. فما حملته انتفاضة 30 ديسمبر 2025 يتجاوز الإضراب المعيشي، ليعلن تحوّل إغلاق المتاجر إلى أداة عصيان مدني فعّالة، تكشف انهيار العقد الاجتماعي، وتسدل الستار على أوهام “الإصلاح من الداخل”، إيذانًا بمرحلة مواجهة جذرية تستهدف إسقاط نظام ولاية الفقيه.
لم يكن تحرك بازار طهران في نهاية ديسمبر مجرّد احتجاج فئوي على تدهور العملة أو انفلات الأسعار، بل شكّل تعبيرًا عن تصدع عميق في البنية الاجتماعية، حيث اختار المجتمع استخدام الإضراب الاقتصادي كسلاح مباشر في مواجهة الاستبداد الديني. انطلاق هذه الحركة من قلب العاصمة، وسرعة امتدادها إلى مدن كبرى أخرى، يؤكدان انتقال الشارع الإيراني من دائرة المطالب الجزئية إلى فضاء الفعل الراديكالي والانتفاضة الشاملة.
سقوط معادلة «الصمت مقابل الاستقرار»
لطالما مثّل البازار أحد أعمدة التوازن أو التغيير في التحولات التاريخية لإيران. لكن إغلاق الأسواق المحورية، مثل “بين الحرمين” و“أمين حضور”، حمل هذه المرة رسالة صريحة إلى مركز السلطة. مشهد الشوارع المحيطة بملت وجمهوري، وقد خلت من النشاط التجاري وامتلأت بالغضب الشعبي، عكس انهيار معادلة طالما راهن عليها النظام: الصمت السياسي مقابل الأمان الاقتصادي.
ومع بلوغ التضخم في المواد الأساسية مستويات خانقة، وتغلغل الفساد في مفاصل الحكم، لم يعد السوق فضاءً اقتصادياً محايداً، بل تحوّل إلى ساحة مواجهة دفاعاً عن الكرامة. لذلك لم تعد الهتافات موجهة ضد السياسات فحسب، بل طالت جوهر ولاية الفقيه باعتبارها المصدر البنيوي للأزمة.
التحام البازار بالجامعة: نهاية الانقسام الوهمي
التحول الأبرز في هذه المرحلة يتمثل في التلاحم العضوي بين التجار والطلاب. فقد تحولت جامعات طهران، شريف، أمير كبير، وخواجه نصير إلى نقاط ارتكاز للحراك، حيث التقى الجيل الشاب مع القوة المدنية المنظمة.
الشعارات التي دوّت في الحرم الجامعي، وعلى رأسها «أيها الإصلاحي، أيها الأصولي… انتهت اللعبة»، عبّرت عن قطيعة كاملة مع ثنائية طالما استخدمها النظام لإعادة إنتاج نفسه. هذا الخطاب يعكس نضجًا سياسيًا لجيل لم يعد يرى في بنية النظام قابلية للإصلاح، بل يسعى إلى تأسيس بديل ديمقراطي على أنقاض الثيوقراطية. كما أن تراجع القوات الأمنية أمام الحشود الطلابية كشف تآكل الهيبة الرمزية لأدوات القمع.
من طهران إلى الأطراف: وحدة الساحات
رغم استخدام الغاز المسيل للدموع وأدوات القمع، أظهر المحتجون صمودًا لافتًا في العاصمة، ما أجبر القوات الأمنية على التراجع في أكثر من موقع. وبالتوازي، امتدت شرارة الاحتجاج إلى مدن مثل مشهد وكرمانشاه، في رفض واسع لسياسات الإفقار والنهب المنهجي.
داخليًا، ورغم تصعيد النظام لوتيرة الإعدامات في محاولة لكسب الوقت، عززت حملات الاحتجاج داخل السجون، وعلى رأسها «ثلاثاء لا للإعدام»، الرابط بين الشارع والسجن. هذا التلاقي بين السجين السياسي، والتاجر المحتج، والطالب الطليعي، خلق حالة ضغط متراكمة أربكت الأجهزة الأمنية وأفقدتها زمام المبادرة.
معركة الهوية: أي إيران؟
اتساع رقعة المظاهرات لتشمل مدنًا متعددة من مشهد إلى همدان وزنجان وخرمآباد وكرج، يؤكد أن الغضب لم يعد محصورًا بجغرافيا أو طبقة اجتماعية. أما الشعارات التي تطالب بدفن حكم الملالي، فهي في جوهرها تعبير عن صراع عميق حول هوية الوطن: هوية وطنية جامعة في مواجهة هوية مذهبية مفروضة.
اليوم، تقف إيران عند مفترق تاريخي حاسم: إما استمرار نظام استنفد شرعيته التاريخية، أو ولادة جمهورية ديمقراطية تعددية. وبين هذين الخيارين، يرتفع صوت الحرية من حناجر أنهكها القمع، لكنه صوت يحمل وعد نهاية شتاء طويل وبداية أفق جديد.








