کوالیس الیوم- د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي:
تجاوز حاجز الترهيب: انفجار الغضب أبعد من المطالب المعيشية
ما تشهده العاصمة الإيرانية طهران منذ يوم أمس ليس مجرد هبّة عابرة احتجاجاً على الغلاء، بل هو تجسيد لزلزال اجتماعي ناتج عن تراكمات مدمرة من السياسات الفاشلة والفساد الذي نخر عظام الدولة. إن تدفق الجماهير إلى الشوارع في قلب المركز السياسي، وبمشاركة شرائح اجتماعية عُرفت تاريخياً بالحذر، يبعث برسالة واضحة: إن آلة القمع الأمنية التي راهن عليها النظام طويلاً بدأت تفقد قدرتها على ضبط الشارع الذي كسر معادلة الخوف إلى غير رجعة.
البازار الإيراني: حين يغلق “ترمومتر” الاستقرار أبوابه بوجه السلطة
تمثلت الضربة الأقوى في احتجاجات الساعات الأخيرة في انضمام تجار طهران وكسبتها الشرفاء إلى الحراك عبر إغلاق محلاتهم. هذا الإضراب يحمل دلالة سياسية وجودية؛ فالبازار الإيراني يمثل تاريخياً الثقل الاقتصادي والاجتماعي الذي يحدد عمر الأنظمة. حين يوصد التجار أبوابهم، فإنهم يعلنون رسمياً سقوط “الشرعية الاقتصادية” للنظام. لقد وصلت الطبقة الوسطى إلى قناعة بأن الانهيار الكارثي للعملة والتضخم الجامح ليسا أزمات عارضة، بل هما نتيجة شلل تام في الدورة الاقتصادية بفعل سطوة الملالي.
الريال المتهاوي: ضحية “اقتصاد النهب” والمغامرات الخارجية
إن التدهور التاريخي في قيمة العملة الإيرانية ليس خللاً تقنياً، بل هو إفراز طبيعي لـ “اقتصاد ريعي أمني” يُسخّر مقدرات البلاد لتمويل أجهزة القمع وتصدير الأزمات إلى الخارج عبر الوكلاء والميليشيات. هذا التمييز الاقتصادي الممنهج والنهب المنظم جعل المواطن الإيراني يدرك أن أي محاولة للإصلاح من داخل بنية النظام الحالي ليست سوى سراب سياسي، مما دفع الحراك نحو المطالبة بتغيير جذري وشامل.
المسؤولية الدولية: القمع كخطر يهدد الأمن والسلم الإقليميين
من منظور القانون الدولي، لم يعد تعامل نظام الملالي مع المحتجين “شأناً داخلياً”، بل هو انتهاك صارخ للمواثيق الدولية التي تعد إيران طرفاً فيها، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. إن محاصرة الأسواق ومطاردة الكسبة واستخدام القوة المفرطة ضد احتجاجات مدنية هو إرهاب دولة يستوجب ملاحقة قانونية دولية.
أمنياً، فإن تفكك العقد الاجتماعي الإيراني وتحول الدولة إلى ثكنة عسكرية يخلق بيئة غير مستقرة إقليمياً؛ فالأنظمة المأزومة داخلياً تميل تاريخياً إلى تصدير أزماتها عبر التصعيد الخارجي، مما يجعل دعم حق الشعب الإيراني في التغيير ضرورة استراتيجية لحماية الأمن والسلم الدوليين.
رمزية التضامن: الإشادة بموقف المقاومة الوطنية
في خضم هذا الحراك، جاءت تحية السيدة مريم رجوي لتجار طهران وكسبتها لتضع النقاط على الحروف، معتبرة إياهم صوتاً وطنياً شجاعاً في وجه نظام السلب والنهب. هذا الموقف يتجاوز التضامن المعنوي ليربط المعاناة اليومية للشعب بضرورة الخلاص السياسي، مؤكداً أن الضغط الشعبي المنظم والمقاومة هما السبيل الوحيد لإجبار النظام على التراجع أو السقوط.
خارطة طريق دولية: نحو استراتيجية حازمة لدعم الإرادة الشعبية
بدلاً من سياسات الاحتواء العقيمة، يتوجب على المنظومة الدولية تبنّي المقاربة التالية:
1. الغطاء القانوني والسياسي للانتفاضة: الانتقال من التنديد اللفظي إلى الإقرار الصريح بـ “حق الدفاع المشروع” للشعب الإيراني ووحدات المقاومة في التصدي لبطش الأجهزة الأمنية، واعتبار حراكهم استحقاقاً ديمقراطياً نابعاً من إرادة شعبية صلبة.
2. تجفيف منابع الإرهاب السلطوي: البدء فوراً في إدراج “الحرس الثوري” على قوائم الإرهاب الدولية ككيان معادي للاستقرار، مع العمل على تفكيك أذرعه الميليشياوية وطرد وكلائه من عواصم المنطقة لضمان قطع شريان الحياة عن آلة التوسع الخارجي.
3. تبني البديل الديمقراطي والمؤسساتي: التوقف عن ممارسة “إدارة الأزمات” والبدء بـ “رعاية الحل”، عبر الاعتراف بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كممثل شرعي للمطالب الوطنية، واعتماد برنامج النقاط العشر للسيدة مريم رجوي كقاعدة أساسية لبناء إيران المستقبل؛ إيران الحرة، التعددية، والمنزوعة السلاح النووي، والتي تقوم على الفصل التام بين الدين والدولة.
4. القطيعة مع نهج الاسترضاء: تفعيل استراتيجية “الردع الشامل” التي تمزج بين العقوبات الاقتصادية الخانقة والعزلة الدبلوماسية، ورفض أي مساومات سياسية منحت النظام في السابق فرصاً لالتقاط الأنفاس ومواصلة قمع الداخل وتهديد الخارج.
5. رهن الحوار بتغيير السلوك الجذري: غلق الباب أمام أي مفاوضات نووية أو سياسية لا تتضمن اشتراطات صارمة تتعلق بحقوق الإنسان ووقف البرنامج الصاروخي، مع إقرار آليات مراقبة دولية لا تقبل التأويل، لضمان عدم استغلال النظام للمناورات الدبلوماسية كغطاء لمواصلة مشروعه القمعي والنووي.
خلاصة استراتيجية:
إن إغلاق بازار طهران وانتفاضة شوارعها يمثلان “بداية النهاية” لعهد الاستبداد. حين تلتحم الإرادة الشعبية مع المقاومة المنظمة، يسقط رهان النظام على الوقت. المجتمع الدولي اليوم أمام اختبار تاريخي: إما الاصطفاف مع شعب يطالب بحريته، أو الاستمرار في مراقبة نظام يتآكل داخلياً ولن يتردد في إحراق المنطقة برمتها لضمان بقائه. إن استعادة إيران من قبضة الملالي هي الخطوة الأولى نحو استقرار الشرق الأوسط والعالم.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي








