موقع المجلس:
شهد الاقتصاد الإيراني خلال الأعوام الماضية سلسلة من الأزمات المتراكمة، إلا أن عام 2025 مثّل ذروة هذه التحديات، وفقاً للمؤشرات الاقتصادية القابلة للقياس. ويبرز في مقدمة هذه المؤشرات الانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية، الذي صُنّف ضمن أسرع حالات التراجع عالمياً خلال العام.

انهيار العملة واستنزاف مدخرات المواطنين
تشير التحليلات المستندة إلى التقارير الحديثة إلى أن إيران باتت ضمن الدول الثلاث التي تشهد أسرع وتيرة لانخفاض قيمة عملتها. ويترتب على هذا الانهيار تآكل واسع في ثروات المواطنين، نتيجة التضخم المتصاعد وسياسات التوسع النقدي غير المدعومة بإنتاج حقيقي.

وتُعرف هذه الآلية اقتصادياً بمفهوم «الضريبة التضخمية»، حيث يؤدي الإفراط في طباعة النقود إلى زيادة الإيرادات الاسمية للدولة، مقابل تراجع القوة الشرائية للعملة وفقدان المواطنين لقيمة مدخراتهم.
وفي عام 2025، اقترب معدل التضخم الرسمي من 40%، وهو مستوى يقترب من الأرقام القياسية، وسط توقعات باستمراره حتى نهاية العام. كما سجل الريال الإيراني تراجعاً غير مسبوق أمام الدولار، في مؤشر واضح على تفاقم الأزمة النقدية وشح العملات الأجنبية.
أزمات متداخلة: تضخم خانق وشبح الجفاف
لم تعد الأزمات الاقتصادية في إيران منفصلة عن غيرها من التحديات. فبالتزامن مع التحذيرات الدولية من اقتراب العاصمة طهران من “يوم الصفر” المائي، أقر خبراء اقتصاديون داخل النظام بوجود “تسونامي” من التضخم والفقر، حيث تعمل جميع محركات الأزمة في وقت واحد وبأقصى طاقتها.
آلة طباعة النقود بلا كوابح
حتى الإعلام الرسمي لم يتجاهل خطورة الوضع. فقد أشار موقع «رويداد 24»، استناداً إلى بيانات صندوق النقد الدولي، إلى مفارقة لافتة، إذ حققت دول تعاني من حروب داخلية وانهيارات شاملة، مثل السودان واليمن، أداءً اقتصادياً مقارباً أو حتى أفضل من إيران. واعتبر الموقع أن الاقتصاد الإيراني في 2025 بات يتصرف كاقتصاد حرب بلا إدارة فاعلة، رغم امتلاك البلاد موارد نفطية وغازية ضخمة، وبنية صناعية واسعة، وقوة سكانية شابة وذات خبرة.
وأضاف أن دولاً مثل الأرجنتين وتركيا، ورغم تاريخها مع التضخم المزمن، نجحت عبر إصلاحات نقدية في كبح التدهور، بينما استمرت طهران في تشغيل آلة طباعة النقود بوتيرة وصفها التقرير بـ«المميتة»، على حساب معيشة ملايين المواطنين.
ركود تضخمي وعجز مالي متفاقم
إلى جانب انهيار العملة، يعاني الاقتصاد الإيراني من ظاهرة الركود التضخمي، التي تجمع بين نمو اقتصادي ضعيف أو سلبي، وتضخم مرتفع. ويعود ذلك إلى العجز المالي المزمن، وزيادة الإنفاق الحكومي دون موارد مستدامة، والاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية كمصدر أساسي للعملة الصعبة.
هذا الخلل في هيكل الميزانية، إلى جانب السياسات النقدية غير المتوازنة، سرّع من وتيرة الركود التضخمي. وقد عبّر بعض الخبراء عن ذلك بلهجة صريحة، معتبرين أن الحكومة استنزفت نحو 31% من أصول المواطنين خلال عام واحد عبر التضخم.
اتساع الفقر وتدهور مستوى المعيشة
أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية يتمثل في التوسع السريع لرقعة الفقر. وتشير تقديرات محلية ودولية إلى أن نحو 36% من السكان باتوا تحت خط الفقر، ما يعكس تراجعاً حاداً في مستوى المعيشة والرفاه الاجتماعي.
وتجلّى ذلك بوضوح في تراجع أجور العمال إلى نحو 83 دولاراً شهرياً، في ظل تضخم منفلت وارتفاع متواصل في الأسعار. وأسهم هذا الوضع في تعميق الأزمات الاجتماعية، من تزايد الجريمة والانتحار، إلى اتساع الشعور بعدم الأمان في مختلف أنحاء البلاد.
جذور هيكلية لأزمة ممتدة
لفهم عمق الأزمة، لا بد من التوقف عند أسبابها الهيكلية. فالاعتماد المفرط على النفط، وضعف تنويع الاقتصاد، جعلا إيران شديدة الحساسية للصدمات الخارجية، لا سيما العقوبات المفروضة على الصادرات والإيرادات الأجنبية.
كما أن التركيز على الواردات وإهمال تطوير القطاعات الإنتاجية الأخرى فاقم من هشاشة الاقتصاد. ومع كل صدمة خارجية جديدة، تتعمق الأزمة أكثر، ما يجعل التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة في ظل السياسات الحالية.








