کوالیس الیوم – د. سامي خاطر أكاديمي و أستاذ جامعي:
دخلت المواجهة الاستخباراتية بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة تتجاوز الأطر التقليدية، حيث يبرز إقرار مجلس الشيوخ الأمريكي لقانون تفويض الاستخبارات لعام 2026 وإحالته إلى الرئيس دونالد ترامب كعلامة فارقة في إعادة تعريف أولويات الأمن القومي. هذا القانون لا يمثل إجراءً تشريعياً روتينياً، بل هو إعلان عن تحول استراتيجي شامل من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاستباق.
تغيير العقيدة الاستخباراتية: من الدفاع إلى الهجوم
يضع القانون الجديد إطاراً صارماً لصلاحيات وميزانيات مجتمع الاستخبارات الأمريكي، بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي. وتكشف نسخة عام 2026 عن بصمات واضحة لتغير في التفكير الاستراتيجي، تتركز حول تعزيز الاستخبارات الهجومية، وتوسيع أدوات الحرب السيبرانية والهجينة، وتشديد الرقابة على الاختراقات الأجنبية، مع تركيز خاص على الأنظمة التي تستخدم التجسس والتضليل كسلاح دولة.
نظام الملالي في مرمى القانون الجديد
على الرغم من أن النصوص القانونية نادراً ما تسمي الخصوم بشكل مباشر، إلا أن سلوك نظام الملالي العدائي في السنوات الأخيرة وضعه في قلب هذه المعادلة الأمنية. فالتصاعد غير المسبوق في النشاطات الاستخباراتية الإيرانية داخل الغرب، وعمليات الترهيب والاغتيال ضد المعارضين في الخارج، جعلت واشنطن تدرك أن طهران لم تعد مجرد ملف نووي، بل هي نظام يعمل بمنطق الحرب غير المعلنة.
وهنا تبرز ضرورة إدراك أن بقاء هذا النظام طوال العقود الماضية لم يكن نابعاً من قوته الذاتية، بل كان نتيجة مباشرة لسياسة المماشاة الدولية التي منحت طهران شريان حياة سياسي واقتصادي. إن هذه السياسة، التي اتسمت بالتغاضي عن جرائم النظام في الداخل وتوسعه في الخارج، قد وصلت إلى طريق مسدود. فالحقيقة الراسخة اليوم هي أن الحل الوحيد والنهائي للأزمة الإيرانية يكمن في إسقاط نظام الملالي بالكامل. وهذا التغيير الجذري لا يمكن أن يتحقق عبر التدخلات الخارجية أو الصفقات الدبلوماسية الهشة، بل هو مهمة وطنية تقع حصراً على عاتق الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية المنظمة، التي تقودها وحدات المقاومة في الداخل لكسر حاجز الخوف والتمهيد للانتفاضة الشاملة.
إن أخطر ما يواجهه النظام في طهران ضمن هذا القانون هو التحول نحو تحييد الشبكات في طور التشكل، مما يضرب جوهر استراتيجية طهران القائمة على العمل في الظل والإنكار واستغلال الثغرات القانونية في الدول الديمقراطية.
رسالة مؤسسية إلى البيت الأبيض والعالم
تحمل إحالة القانون إلى الرئيس ترامب دلالة مزدوجة؛ فهي تفرض إجماعاً مؤسسياً يقيد هامش المناورة السياسية أمام أي محاولة للعودة إلى سياسات التساهل أو الصفقات الجزئية. ويعني ذلك أن الآلة الاستخباراتية الأمريكية باتت مهيأة لمواجهة طويلة الأمد، بصرف النظر عن اللهجة السياسية المتبعة. إن إنهاء حقبة المماشاة هو الخطوة الأولى والأساسية لتمكين الشعب من استعادة بلاده وبناء إيران ديمقراطية تنهي تهديدات النظام للأمن والسلم الدوليين، حيث أثبتت التجارب أن أي تراجع أمام هذا النظام لا يؤدي إلا إلى مزيد من التطاول والقمع.
نحو إجراءات تنفيذية صارمة
يتطلب تفعيل هذا القانون ترجمته إلى إجراءات ميدانية، تشمل توسيع التعاون مع الحلفاء الأوروبيين لمواجهة التهديد الإيراني العابر للحدود، وإدراج شبكات النظام الاستخباراتية غير الرسمية ضمن قوائم العقوبات، ودعم قوى المعارضة الديمقراطية الإيرانية كعنصر استخباراتي شرعي. كما يجب أن يتضمن التحرك الدولي وقفاً فورياً لكافة أشكال التنازلات، فكل دولار يصل إلى هذا النظام يتحول إلى أداة لقمع المحتجين أو وسيلة لتمويل الإرهاب الإقليمي. إن الاعتراف بحق الشعب الإيراني في النضال من أجل الحرية عبر وحدات المقاومة هو الركيزة الأساسية لأي استراتيجية دولية ناجحة.
الخاتمة
في الختام، يمثل قانون عام 2026 نذيراً لمرحلة أكثر صرامة وأشد كلفة على نظام الملالي، حيث انتهت مرحلة المراقبة الصامتة وبدأت مرحلة إعادة تشكيل ميدان الصراع الاستخباراتي، مع التأكيد على أن التغيير الحقيقي يبدأ وينتهي بيد الشعب الإيراني ومقاومته الباسلة.
د. سامي خاطر أكاديمي و أستاذ جامعي








