موقع المجلس:
في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية وتدهور قيمة العملة الوطنية، صعّد نظام الملالي خلال الأيام الماضية خطابه العسكري والنووي بشكل لافت، في محاولة واضحة لصرف الأنظار عن الانهيار المتسارع في الداخل. فقد أطلق مسؤولون إيرانيون تصريحات غير مسبوقة اعتبروا فيها أن تصنيع القنبلة النووية “مسألة سهلة”، إلى جانب التأكيد على استمرار إنتاج الصواريخ دون توقف، في مسعى يائس لإخفاء حالة الضعف المتنامية للنظام أمام الضغوط الدولية وتصاعد السخط الشعبي.
وجاء هذا الخطاب التصعيدي في تناقض صارخ مع الواقع الداخلي، حيث يرزح المجتمع الإيراني تحت وطأة تدهور اقتصادي حاد وضغوط اجتماعية متزايدة باتت تشكل تحدياً حقيقياً لقدرة الدولة على الاحتواء. وبينما تتحدث السلطات عن “الاقتدار”، تتآكل مقومات الاستقرار يوماً بعد آخر.

كشف برنامج نووي سري جديد
في هذا السياق، أعلن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، خلال مؤتمر صحفي عُقد في واشنطن، عن معلومات استخباراتية تتعلق ببرنامج نووي سري أطلقه خامنئي تحت مسمى “خطة كوير”، يهدف إلى تسريع امتلاك السلاح النووي بعيداً عن أعين الرقابة الدولية، ما يعكس اتجاهاً متعمداً نحو التصعيد والمغامرة.

تبجح نووي أم محاولة للهروب من الانهيار؟
وفي واحدة من أكثر التصريحات استفزازاً، قال بهروز كمالوندي، المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية التابعة للنظام، في 19 ديسمبر 2025، إن تصنيع سلاح نووي يُعد “أسهل” من تشغيل محطة نووية لتوليد الطاقة. ويرى مراقبون أن هذا التصريح يتجاوز الإطار التقني ليشكل رسالة سياسية تهدف إلى الابتزاز والضغط. كما ادعى كمالوندي أن النظام بلغ مرحلة “إتقان” البرنامج النووي، واصفاً إياه بأنه وصل إلى “حافة الاقتدار”.
وسبق ذلك، في 11 ديسمبر 2025، تصريح لرئيس المنظمة الذرية محمد إسلامي أكد فيه أن البرنامج النووي لن يتوقف “لا بالحرب ولا بالتخريب”. وما يثير القلق في هذا الخطاب ليس التمسك بالبرنامج بحد ذاته، بل التلميح المتزايد إلى اقتراب القدرة على تحويله إلى برنامج تسليحي.
الصواريخ والعزلة المتزايدة
ولم يقتصر التصعيد على الملف النووي، إذ أعلن أبو الفضل شكارجي، المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، في 17 ديسمبر 2025، أن خطوط إنتاج الصواريخ تعمل دون انقطاع، وذلك عقب ما عُرف بـ“حرب الاثني عشر يوماً”. وتأتي هذه التصريحات في وقت تستهدف فيه العقوبات الأمريكية سلاسل الإمداد والمواد الأساسية لإنتاج الوقود الصلب.
دبلوماسياً، واصل النظام سياسة التحدي، حيث رفض المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، في 14 ديسمبر 2025، قرار مجلس الأمن رقم 2231، معتبراً إياه “منتهياً”، ومتجاهلاً مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية باستئناف عمليات التفتيش.
ويتزامن هذا التصعيد مع انتكاسات إقليمية، من بينها تقارير تفيد برفض وزير الخارجية اللبناني إدراج أوراق اعتماد سفير النظام الإيراني الجديد على جدول أعمال مجلس الوزراء، في إشارة إلى اتساع دائرة الرفض الإقليمي للدور الذي يلعبه النظام وحرسه في زعزعة الاستقرار.

مريم رجوي: الإفلات من العقاب شجّع خامنئي على التصعيد النووي
وفي رسالة وُجهت إلى مؤتمر جنيف، أكدت السيدة مريم رجوي أن صمت المجتمع الدولي تجاه انتهاكات حقوق الإنسان داخل إيران شجّع خامنئي على المضي في سياساته العدوانية، سواء عبر إشعال النزاعات الإقليمية أو الاستمرار في السعي السري لامتلاك القنبلة النووية.
الداخل الإيراني: اقتصاد ينهار وخوف يتصاعد
في المقابل، تتكشف حدة الخطاب الخارجي على خلفية أوضاع داخلية متدهورة. فقد سجل الريال الإيراني مستويات قياسية في الانخفاض أواخر عام 2025، بالتزامن مع تشديد العقوبات وتفعيل آلية “الزناد”، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية وتنامي حالة انعدام الأمن الاقتصادي والخشية من انفجار اجتماعي.
ومع تصاعد الضغوط الخارجية، لجأت السلطات إلى تشديد القبضة الأمنية في الداخل، حيث يصوّر إعلام النظام أي احتجاج أو معارضة بوصفه امتداداً لـ“المواجهة مع الخارج”، في محاولة لتبرير القمع وتغطية الفشل في إدارة شؤون البلاد.
في المحصلة، لا يُقرأ التلويح النووي والصاروخي بوصفه تعبيراً عن قوة واثقة، بل كستار سياسي يخفي ضعفاً داخلياً عميقاً. فبينما يتحدث المسؤولون عن “سهولة” صنع القنبلة و”انتهاء” القرارات الدولية، يبقى النظام غارقاً في أزمات متشابكة لا يملك حلولاً لها: عملة منهارة، تضخم متصاعد، ونقص متزايد في السلع الأساسية.
إنه نظام يحاول الظهور بمظهر القوي لأنه يدرك هشاشته، مستبدلاً الإصلاح الحقيقي بالتصعيد والمواجهة، على أمل كسب الوقت أمام تآكل داخلي يبدو حتمياً.








