موقع المجلس:
في إفادة صادمة تكشف عمق المأزق الاقتصادي الذي تعيشه إيران، نشرت صحيفة «جهان صنعت» في عددها الصادر يوم السبت 20 ديسمبر تقريراً موسعاً يسلّط الضوء على الأسباب الحقيقية للأزمة المالية الخانقة. ويؤكد التقرير أن التدهور الحاد في قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة لا يمكن اختزالهما في تقلبات ظرفية أو ضغوط دولية، بل هما نتيجة مباشرة لسياسات ممنهجة اتبعها النظام الحاكم، اتسمت بالفشل والفساد وسوء الإدارة.
وحمل التقرير عنوان «الظلم الواقع على الشعب عبر العملة الصعبة»، وجاء فيه أن سوق الصرف يشهد حالة من الفوضى والتصاعد الجنوني، حيث بلغ سعر الدولار نحو 130 ألف تومان، في وقت وجد فيه صانع القرار النقدي نفسه عالقاً في حلقة مفرغة من محاولات تسعير العملة، متخبطاً داخل ما يُعرف بـ«قاعات التداول» التي أنشأها بنفسه دون أن تنجح في كبح الانهيار.
وأشار التقرير إلى أن ظاهرة «دولرة الاقتصاد» لم تعد مجرد توصيف نظري، بل تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى واقع متجذر في بنية الاقتصاد الإيراني نتيجة السياسات الخاطئة. فقد تسللت هذه الظاهرة تدريجياً إلى مفاصل الحياة الاقتصادية، لتصبح اليوم عاملاً أساسياً في المعاملات التجارية. وبات المواطنون يفضّلون التعامل بالدولار بدلاً من الريال، كما أصبح تسعير السلع والخدمات لدى شرائح واسعة من المجتمع مرتبطاً بالعملة الأجنبية، في ظل انعدام الاستقرار النقدي والانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية.
ويأتي هذا التقرير، الذي يشكّل وثيقة إدانة واضحة، في سياق تصاعد الأزمات داخل نظام الملالي، حيث تدفع حدة الصراعات الداخلية أجنحة مختلفة إلى كشف المستور أو نشر مقالات تحذيرية، في محاولة يائسة لتنبيه مركز القرار، ولا سيما الولي الفقيه، إلى الخطر الأكبر المتمثل في احتمال اندلاع انتفاضة شعبية وشيكة تثير قلق الجميع داخل أروقة السلطة.
ويسلط التقرير الضوء على جملة من العوامل البنيوية التي أسهمت في تعميق الأزمة، من بينها فوضى السياسات الاقتصادية، وتقصير المسؤولين، واستشراء الفساد، وغياب الشفافية، وضعف أجهزة الرقابة. وقد شكّلت هذه العناصر مجتمعة بيئة مثالية مكنت المضاربين والمنتفعين المرتبطين بالنظام من نهب مقدرات البلاد. ويخلص التقرير إلى أن جوهر الأزمة يكمن في بنية النظام ذاته، مؤكداً أن أي معالجات شكلية لن تُحدث أثراً حقيقياً ما لم يتم تفكيك المؤسسات الفاسدة التي تقود البلاد نحو الفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
مظاهر التواطؤ والفساد المنهجي
يقدّم تحليل «جهان صنعت» دليلاً واضحاً على أن ما يجري ليس أزمة طارئة، بل عملية انهيار مدروسة تُدار بإشراف مباشر وتواطؤ من أعلى هرم السلطة. ويمكن تلخيص أبرز ما ورد في التقرير على النحو الآتي:
أولاً: فوضى السياسات كأداة استنزاف منظّم
يشير التقرير إلى ارتباك سياسات البنك المركزي وصمت الحكومة تجاه الارتفاع المتواصل لسعر الصرف. غير أن هذا «الارتباك» لا يبدو عفوياً، بل يعكس نهجاً متعمداً يسمح بتآكل قيمة العملة، بما يخدم مصالح فئات نافذة تستفيد من المضاربة بالعملات الأجنبية. ويدفع هذا الواقع المواطنين إلى اللجوء للأسواق غير الرسمية بأسعار باهظة، في ظل عجز الدولة عن تأمين احتياجاتهم الأساسية من النقد الأجنبي. ويُعد هذا الصمت الرسمي تواطؤاً مكشوفاً مع كبار المضاربين المرتبطين بالسلطة.
ثانياً: الإهمال كغطاء للفساد المنظّم
يتحدث التقرير عن تقاعس المسؤولين الاقتصاديين في معالجة أزمة العملة، وهو تقاعس يُفسَّر على أنه ستار لفساد عميق ومتجذر. فقد أتاح هذا «الإهمال» تفشي سوء استخدام العملات الأجنبية الحكومية، وتحويل الموارد المخصصة لاستيراد السلع الأساسية إلى مصالح خاصة، ما يؤكد أن الفساد ليس استثناءً بل جزءاً من بنية النظام، وأن أي حديث عن محاسبة حقيقية يظل وهماً في ظل استفادة المسؤولين أنفسهم من هذا الواقع.
ثالثاً: التهريب كشبكة تغذية للفساد
يربط التقرير بين انهيار العملة وتصاعد ظاهرة التهريب، ليس بوصفها نتيجة اقتصادية فحسب، بل باعتبارها دليلاً على تواطؤ السلطة مع شبكات تهريب كبرى تحظى بحماية نافذين. وتستفيد هذه الشبكات من ضعف العملة لإغراق السوق بالسلع المهربة، ما يقوّض الإنتاج المحلي ويرفع معدلات البطالة. أما الحديث عن تشديد الرقابة الحدودية، فيبقى بلا معنى طالما أن الجهات المعنية إما متورطة أو عاجزة أمام نفوذ كبار المهربين.
رابعاً: غياب الشفافية كسياسة مقصودة
يشير التقرير إلى أن انعدام الشفافية في سوق العملات الأجنبية فتح الباب واسعاً أمام الاستغلال والفساد. وهذا الغياب لا يبدو عرضياً، بل سياسة متعمدة لحجب المعلومات وضمان استمرار التلاعب بعيداً عن أعين الرأي العام. فعدم الإفصاح عن بيانات الاستيراد والتصدير يمنح المتنفذين حرية التحكم بالأسواق وتحقيق أرباح طائلة على حساب الاقتصاد الوطني.
خامساً: ضعف الرقابة كتعبير عن التواطؤ
أما ما يوصف بضعف الرقابة على سوق الصرف، فيراه التقرير توصيفاً مخففاً لحقيقة التواطؤ المباشر. فالبنك المركزي، بصفته أداة بيد النظام، لا يفتقر إلى القدرة على الرقابة، بل يشارك فعلياً في تسهيل أنشطة المضاربة التي يديرها المقربون من السلطة. وهكذا تتحول الفوضى إلى آلية مقصودة لتعزيز النفوذ وتراكم الثروة لدى نخبة محدودة.
خلاصة: مسؤولية النظام وضرورة التغيير الجذري
يؤكد تقرير «جهان صنعت» بالأدلة أن ما يمر به الاقتصاد الإيراني ليس أزمة عابرة، بل انهياراً منظماً يجري برعاية مباشرة من أعلى مستويات الحكم. وقد أثبت النظام، عبر مؤسساته ومسؤوليه، أنه يشكّل جوهر المشكلة لا جزءاً من الحل. فالسياسات المرتبكة، والفساد المتأصل، وغياب الشفافية، وضعف الرقابة، ليست سوى أدوات لعملية نهب واسعة للمال العام، تُحوَّل خلالها مليارات الدولارات إلى مصالح خاصة على حساب معيشة المواطنين وكرامتهم. وعندما يقرّ التقرير بأن أموال الدولة والبنك المركزي تقع في أيدي المضاربين، فإنه يسلّط الضوء على جريمة اقتصادية منظمة لا يمكن أن تتم دون تسهيل وتواطؤ من قمة هرم السلطة.








