موقع المجلس:
دخل شهر نوفمبر 2025 سجلّ التاريخ الإيراني كأحد أشد الشهور دموية خلال 37 عاماً، بعد أن شهد تنفيذ ما لا يقل عن 335 حكماً بالإعدام، من بينهم 7 نساء، إضافة إلى عمليتي إعدام علني نفّذتا بطريقة تعود لممارسات العصور الوسطى.
لا تقتصر خطورة هذه الأرقام على كونها قياسية فحسب، بل تكشف بوضوح أن النظام يستخدم الإعدام وسيلة مباشرة لترسيخ حكمه. فمقارنةً بالسنوات الماضية، يتضح حجم التصعيد: تضاعفت الإعدامات مقارنة بعام 2024، وثلاث مرات مقارنة بعام 2023، وست مرات مقارنة بعام 2022، و11 مرة مقارنة بعام 2021. هذه الزيادة ليست تطوراً طبيعياً في معدلات الجريمة، بل تعبير عن سياسة قمعية ممنهجة.
ومع بداية ديسمبر، ازدادت وتيرة الدم. ففي الأيام الثلاثة الأولى وحدها، أُعدم ما لا يقل عن 44 سجيناً، أي بمعدل إعدام كل ساعة ونصف. هذا التسارع، رغم محاولة النظام تقديمه كعلامة قوة، يكشف هشاشة بنيته وخوفه من مجتمع يعيش حالة احتقان قابلة للانفجار.
تنديد دولي بإعدام زهراء طبري
أثار الحكم الصادر بإعدام المهندسة زهراء طبري، البالغة 67 عاماً والمُتهمة بالتعاون مع منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، موجة واسعة من الاستنكار الدولي، شارك فيها نواب في البرلمان الأوروبي وشخصيات عالمية معروفة.

الإعدام كوسيلة لاحتواء الغضب الشعبي
لا يمكن فصل موجة الإعدامات الراهنة عن السياق السياسي والاجتماعي في إيران. فالسلطة الحاكمة، وعلى رأسها الولي الفقيه، تلجأ إلى التصعيد الدموي في ظل غليان شعبي وانتفاضات متكررة.
في هذا الإطار، يتحول الإعدام من حكم قضائي إلى أداة حرب نفسية تهدف إلى نشر الرعب وتكريس الصمت. يسعى النظام لرفع كلفة الاحتجاج إلى حدّ الموت وإبقاء المجتمع في حالة شلل عام.
لكن التجربة أثبتت أن “سياسة الموت” لم تُطفئ جذوة الانتفاضة، بل غذّتها في لحظات مفصلية. فعندما يصبح العنف سياسة رسمية، يفقد تأثيره الرادع ويتحوّل إلى دليل ضعف وانعدام للشرعية.
خريطة الإعدامات: سياسة تعمّ البلاد
يبيّن الانتشار الجغرافي للإعدامات، من زاهدان وبندر عباس إلى مشهد وأصفهان ورشت ومهاباد، أن ما يحدث ليس رد فعل موضعياً، بل استراتيجية عامة تشمل مختلف المناطق والقوميات.
تراوح الضحايا بين شباب في مقتبل العمر وكهول، وبين سجناء من القومية البلوشية وغيرهم. أما الإعدامات العلنية، فتلعب دوراً مزدوجاً: إظهار القوة وإهانة الكرامة الإنسانية، لكنها في الوقت نفسه كشفت الوجه الحقيقي للعنف المؤسسي وعجز النظام.
الأهواز.. تثبيت حكم الإعدام لثلاثة سجناء سياسيين
أيدت المحكمة العليا أحكام الإعدام ضد فرشاد اعتمادي فر، ومسعود جامعي، وعليرضا مرداسي، بتهمة الانتماء إلى منظمة مجاهدي خلق، في خطوة أثارت دعوات عاجلة لإنقاذ حياتهم.
أزمة الشرعية والنهاية المحتومة للعنف
النظام الذي يربط بقاءه بمشانق متواصلة، يعيش أزمة شرعية عميقة. فحين يتحول العنف من أداة لإخماد الأصوات إلى مؤشر على المأزق، يفقد تأثيره السابق. المجتمع الذي يواجه الموت يومياً يفقد شيئاً فشيئاً الخوف، وحين تنهار هذه الحاجز النفسي، يصبح العنف وقوداً لاجتجاجات جديدة.
ومن هنا، فإن التصعيد الحالي يعكس محاولة يائسة لمنع انتفاضة متجذرة في الفقر والقمع والاختناق الاقتصادي وإهانة الإنسان.
واجب المجتمع الدولي
إن حجم الإعدامات وطبيعتها المنظمة يضعانها ضمن “الجرائم ضد الإنسانية”. وعلى المجتمع الدولي الانتقال من بيانات الإدانة إلى خطوات عملية لمحاسبة المسؤولين، وعلى رأسهم الولي الفقيه، على تاريخ طويل من الانتهاكات. إن الصمت في مثل هذه اللحظة يُعد شكلاً من أشكال التواطؤ.
الإعدام لن يوقف الانتفاضة
ورغم أنهار الدم، يبقى واضحاً أن سياسة الإعدام لم تُخضع الشعب الإيراني. فما تزال أعمال المقاومة تتوسع، وتستمر التحركات ضد رموز القمع، في دليل على أن المجتمع لم ينكسر.
لقد أثبت التاريخ أن المشانق مهما كثرت، لا تستطيع كسر إرادة شعب يسعى إلى الحرية.








