موقع المجلس:
أعادت تصريحات فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم حكومة بزشكيان، حول تطبيق “السعر الثالث” للبنزين ونفيها القاطع لوجود أي دافع ربحي وراء القرار، تسليط الضوء على أزمة قديمة في بنية النظام الاقتصادي والسياسي في إيران: الفجوة العميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه المواطنون.

فالمتحدثة أكدت أن “جميع” الإيرادات المتحصلة من زيادة أسعار البنزين ستوجَّه لتحسين “معيشة الناس”، وأن الحكومة “لا تسعى لتحقيق الأرباح”. غير أن هذا الادعاء يتعارض مع شهادات خبراء من داخل النظام نفسه، كما يناقض تاريخ السياسات الاقتصادية للسلطة على مدى أكثر من أربعين عاماً.
تمهيد لصدمة جديدة في أسعار البنزين مع اقتراب ذكرى انتفاضة 2019
مع اقتراب ذكرى احتجاجات نوفمبر 2019، التي اندلعت إثر رفع مفاجئ لأسعار البنزين وكادت تزلزل أركان النظام، تتزايد التسريبات الرسمية حول نية الحكومة رفع السعر مجدداً. تزامن هذه الأنباء مع ذكرى تلك الانتفاضة أعاد إلى الواجهة مخاوف وخصومات داخل أروقة السلطة، كاشفاً مستوى القلق من احتمال تكرار السيناريو.
البنزين.. وسيلة تقليدية لسد العجز
لطالما لجأت الحكومات الإيرانية إلى رفع أسعار الطاقة—وخاصة البنزين—كأداة لسد العجز المالي الناتج عن سوء الإدارة وانتشار الفساد. وبينما تستحوذ المؤسسات التابعة للمرشد والحرس الثوري على الجزء الأكبر من الاقتصاد وتلتهم الأجهزة الأمنية والعسكرية حصة كبيرة من الموارد، تُحمَّل الأعباء المالية في نهاية المطاف على المواطن الذي يواجه تضخماً خانقاً وتراجعاً مستمراً في القدرة الشرائية.
في هذا السياق، تبدو وعود الحكومة بإيداع الزيادة البالغة 5000 تومان “كاملةً” في حسابات مخصصة لتحسين حياة المواطنين، مجرد تصريحات لا تستند إلى شفافية أو آليات رقابية، مما يجعلها أقرب إلى دعاية سياسية منها إلى سياسة اقتصادية قابلة للتحقق.
إنكار حكومي مقابل اعترافات من داخل النظام
التباين الواضح بين تصريحات المسؤولين يفضح أن قرار رفع السعر لا يقوم على رؤية اقتصادية مدروسة ولا يحظى بتوافق داخلي. فخبراء حكوميون صرّحوا بأن الهدف الحقيقي هو سد عجز الموازنة المتفاقم بسبب الفساد والإنفاق الأمني. ورغم ذلك، تواصل المتحدثة تقديم القرار على أنه خطوة إصلاحية تصب في مصلحة المواطنين—وهو ما يصفه الشارع الإيراني بأنه “إنكار سافر للواقع”.
وتُظهر تجارب العقود الماضية، وخاصة ما جرى في نوفمبر 2019، أن أي زيادة في أسعار الوقود تؤدي سريعاً إلى موجة تضخم جديدة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتدهور أوضاع الفئات الهشة، مما يوسع رقعة الفقر ويعمّق الفجوات الاجتماعية.
خوف النظام من تكرار انتفاضة 2019
يؤكد خبراء اقتصاديون أن النظام يواجه معضلة حقيقية: فهو من جهة بحاجة ماسّة لزيادة الأسعار لتقليص العجز، ومن جهة أخرى يخشى من أن يؤدي ذلك إلى إشعال احتجاجات واسعة قد تكون أعنف من انتفاضة 2019.
ومن ثم، فإن الخطاب الحكومي بشأن “تخصيص العائدات لصالح الناس” لا يعكس سياسة اقتصادية بقدر ما يعكس استراتيجية لاحتواء الغضب الشعبي المتصاعد. فمع اقتراب الوضع المعيشي من حافة الانفجار، تلجأ السلطة بدلاً من الإصلاح الفعلي إلى إطلاق الوعود المتكررة وتكثيف حملات التهدئة الإعلامية.
أما المواطن الإيراني، الذي أنهكته سنوات من الغلاء والبطالة وانسداد الأفق، فقد فقد ثقته منذ زمن طويل في وعود النظام، مدركاً أن موارد البلاد تُوجَّه إلى مؤسسات لا ترتبط بمعيشته، بل بخدمة استمرار الهيكل الحاكم نفسه.
خاتمة
طالما يدرك الشعب أن رفع أسعار البنزين لن يجلب إلا مزيداً من الفقر واتساع الفجوة الاجتماعية، فإن أي حملة دعائية لن تنجح في إقناعه. هذا التناقض بين الواقع المرير والخطاب الرسمي هو ما يدفع المجتمع الإيراني أكثر فأكثر نحو البحث عن حلول جذرية ويزيد من احتمالات اندلاع موجات احتجاج جديدة.








