موقع المجلس:
في عمق واحدة من أندر النظم البيئية على الأرض، تتعرض غابات هيركاني العريقة لحرائق هائلة تفتك بمساحاتها القديمة التي تمتد جذورها إلى ما قبل 50 مليون عام. غير أنّ ما يحدث ليس مجرد كارثة طبيعية، بل هو فعل متعمّد يرقى إلى جريمة منظمة ضد ثروة وطنية فريدة، جريمة تحمل آثار مافيا متغلغلة داخل بنية النظام الحاكم.
وفي الوقت الذي تزعم فيه وسائل الإعلام الرسمية أنّ الحرائق “تحت السيطرة” ولم يبق سوى “جيوب صغيرة”، تأتي هذه الادعاءات كجزء من حملة تضليل معتادة تهدف إلى التغطية على فشل مزمن اعترف به خبراء ومسؤولون حكوميون على حد سواء. فلا استئجار طائرة إطفاء من تركيا ولا التحركات الدعائية قادرة على إخفاء حقيقة العجز والإهمال والفساد المستشري.
هيركاني… كنز طبيعي يلتهمه فساد الملالي
تكشف موجة الحرائق الأخيرة في شمال إيران أن ما يحصل ليس حدثاً طارئاً، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من الفساد وسوء الإدارة والنهب المنظم لموارد البلاد.
فساد معلَن: أين اختفت ميزانية المروحيات؟
من بين أكثر التصريحات صدمة، ما أعلنه النائب البرلماني حسن نتاج صلحدار، حين أكد أن هناك “ميزانية رسمية مخصصة لشراء مروحيات إطفاء” – ثم تساءل: “أين صُرفت هذه الميزانية؟” (24 نوفمبر 2025).
هذا الاعتراف الصريح يكشف حجم الفساد الذي يبتلع المخصصات البيئية ويحوّلها إلى جيوب النافذين بدل أن تُستخدم لحماية الغابات.
وسألت صحيفة اعتماد (22 نوفمبر): لماذا لم تُطلب المروحيات من البداية؟ وإن طُلِب ذلك، فلماذا تأخرت الحكومة إلى أن خرجت النيران عن السيطرة؟
أما صحيفة جهان صنعت فقد عرضت صورة أكثر قتامة:
“إيران التي تمتلك 11 مليون هكتار من الغابات، لا تملك مروحية إطفاء واحدة. ومساحة 20 ألف هكتار في بعض المناطق يديرها حارس أو اثنان فقط، من دون أجهزة لاسلكي أو سيارات أو ملابس مقاومة للنيران، ولا حتى مياه كافية”.
أساليب المافيا: الحريق كمدخل للسيطرة على الأراضي
قضية سرقة الغابات ليست جديدة. فقد كشف عباس باليزدار، عضو لجنة التحقيق البرلمانية سابقاً، أن نهب غابات الشمال تم بإشراف قادة كبار، وروى أن رئيس السلطة القضائية الأسبق محمد يزدي أصدر رسالة رسمية سمحت باستغلال الأخشاب لصالح مقربين منه.
وتوضح جهان صنعت أسلوب “مافيا حرق الغابات”:
“أولاً يشقون الطرق، ثم يفتحون المناجم أو يشيدون الفيلات، بعدها تندلع حرائق غامضة، وفي النهاية تتحول الغابات إلى أراضٍ زراعية أو سكنية”.
وقد تكرر هذا السيناريو في غابات أليمالات في نور، وغابات ليسار في غيلان، والبلوط في زاغروس، حيث أُحرقت الطبيعة تمهيداً لانتزاع أراضيها.
اغتيال الطبيعة بميزانيات منهوبة
يرى الخبراء أن كارثة هيركاني هي نتيجة مباشرة لسياسات تدميرية، وليست مجرد سوء إدارة. فبدل الاستثمار في حماية الطبيعة، تُوجّه أموال الدولة نحو مشاريع عسكرية وصاروخية وأجهزة قمع، بينما تُترك الغابات تحت رحمة الفساد والإهمال.
شبكة النهب… من الجذور إلى قمة السلطة
تشير الوقائع والشهادات المتراكمة إلى أن هذه المافيا ليست مجموعة متفرقة، بل شبكة مترابطة تمتد خيوطها إلى “بيت خامنئي” نفسه، حيث تُمنح الامتيازات، وتُشرّع عمليات تغيير استخدام الأراضي، ويُحمى الفاسدون بقوانين مفصلة على المقاس.
نظام ولاية الفقيه لا يتردد في تحويل البلاد إلى أرض محروقة. وما يجري في غابات هيركاني ليس إلا فصلاً آخر من مشروع ممنهج يستهدف البيئة الإيرانية، ويحوّل لونها الأخضر إلى رماد في سبيل “رأسمالية المحاسيب” المتصلة بالسلطة.








