موقع المجلس:
يبدو أن نظام الملالي في إيران يعيش مرحلة تفكك ذاتي، إذ انخرط مسؤولوه السابقون والحاليون في سباق لفضح ملفات فساد بعضهم البعض. هذه الاعترافات الصادرة عن أصحاب النفوذ أنفسهم تكشف بوضوح طبيعة الحكم القائم في البلاد؛ نظامٌ تأسس في بيئة يغيب عنها الضوء والرقابة، وها هو اليوم يغرق أكثر في وحل انهيار الثقة وتفكك بنيانه الداخلي.
خامنئي وخطاب “تنين الفساد”: هل ينظر المرشد إلى نفسه في المرآة؟
في تكرار لمشهد بات مألوفًا في المسرح السياسي الإيراني، خرج المرشد علي خامنئي يوم الأربعاء 28 مايو/أيار ليوجه محاضرة جديدة لموظفي وزارة الداخلية بشأن “مكافحة الفساد”. إلا أن هذه التصريحات لا تبدو سوى محاولة شكلية لا تعكس حقيقة تفشي الفساد في عمق أجهزة الدولة.
اعتراف رسمي: “جنة للنافذين والإعلام المأجور”
من أبرز مؤشرات الانهيار الداخلي ما نشرته صحيفة “سياست روز” الحكومية في 4 نوفمبر، حيث وصفت في تقرير لافت الحكومة بأنها “جنة لمديري الريع والصحفيين المتعاملين”.
هذا الوصف لا يبدو مجرد زلة، بل يعد تشريحًا دقيقًا لآليات الفساد المتجذرة. فالتقرير يكشف كيف تعمل وسائل الإعلام التابعة للسلطة على إعادة توليد دوائر الفساد ممولةً من المال العام. وتصف الصحيفة الحالة بقولها:
«العقود والمناقصات تجري في أجواء من الغموض، مما يفتح الباب أمام سوء الاستغلال. غياب الشفافية يخلق بيئة تسمح ببقاء المدير الفاسد والإعلام المستفيد من هذا الظلام».
من “مرآة المجتمع” إلى “درع الفاسدين”
يؤكد هذا الاعتراف أن العلاقة بين الفساد السياسي والفساد الإعلامي أصبحت علاقة عضوية. فوسائل الإعلام الموالية لم تعد صوت المجتمع، بل تحولت إلى حصن يحمي المسؤولين الفاسدين من المساءلة.
ويكشف التقرير آليات شراء الصمت عبر ميزانيات الإعلانات والصفقات المشكوك فيها، مما يحوّل الدولة من مؤسسة رقابية إلى شبكة مصالح شخصية. كما جاء فيه:
«المديرون الذين يخشون التقارير المستقلة يسعون لاسترضاء وسائل الإعلام عبر الإعلانات والعقود المبهمة».
فساد بلدية طهران في عهد علي رضا زاكاني
في عصر يتسم بتطور غير مسبوق في وسائل الاتصال، ورغم تزايد الحذر من الرأي العام والإعلام، لا يزال الفساد مستشريًا في أعلى هياكل السلطة في إيران. ويشعر المواطن الإيراني يوميًا بثقل هذا الفساد الذي يمتد ليؤثر في تفاصيل حياته.
الشفافية.. العدو الأول
هذه الظواهر ليست اتهامات مرسلة، بل انعكاس للعلاقة القائمة بين السلطة والإعلام في إيران، وهي علاقة مبنية على المال مقابل الصمت. إذ تُستخدم أموال الشعب في “ميزانيات رمادية” و”صناديق خفية” لإسكات أي صوت مستقل.
في ظل هذا التشويه البنيوي، يتحول الصحفي من ناقل للحقيقة إلى أداة لحماية الفساد. ويخلص التقرير إلى ضرورة “إعادة بناء أخلاقية” لمؤسسات الدولة والإعلام، معترفًا بأن الشفافية هي الطريق الوحيد للخلاص.
والواقع أن الشفافية هي العدو الأكبر لنظام يقوم على التعتيم والكذب. وحده كشف الحقائق يمكن أن يظهر الجانب المظلم من السلطة. إن الانهيار الداخلي وتزايد الاعترافات العلنية بالفساد لا يمثلان إلا مقدمة لغضب شعبي قد يطيح بالنظام في نهاية المطاف.








