موقع المجلس:
من أزمة مؤقتة إلى فقر مؤسسي
تحول الفقر في ایران هيكلي دائم يفرض نمطَ حياة قائمًا على التقسيط حیث لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد تقلبات معيشية مؤقتة. ما كان يُنظر إليه قديمًا كحل لشراء سلع مستمرة أو كمالية، أصبح الآن آلية البقاء اليومية: من السلع الغذائية الأساسية إلى حتى نفقات نهاية الحياة. بهذا المعنى، نشأ ما يمكن تسميته «نظام الأقساط» (نظم اقساطی) الذي يلتف حول حياة الفرد منذ بدايتها وحتى نهايتها، ويحوّل الديون إلى روتين معاشي لا مهرب منه.

انهيار القدرة الشرائية وامتداد القسط إلى ضروريات البقاء
أصبح حلم تملك مسكن لطبقات واسعة من الناس أمرًا بعيدًا، وتحوّل خطّ الأزمات إلى شراء احتياجات الحياة الأساسية عبر أقساط. طوابير الشراء اليوم تشمل الخبز والحليب والزيت والبيض بنظام المدفوعات المقسطة، بدلًا من قروض الإسكان أو السلع الكمالية التي كان يُستخدم القسط لها في السابق. الارتفاع الحاد في الاعتماد على منصات الشراء الائتماني — بزيادة أعضاء تقدر بخمس إلى عشر مرات خلال عام واحد — يعكس أن الأقساط لم تعد تجسيدًا لرفاهية، بل أصبحت وسيلة للبقاء.
الديون حتى بعد الموت: مأساة القبور بالتقسيط
أشد مظاهر الأزمة قسوة أن الاقتراض امتد إلى ما بعد الحياة: بيع شواهد القبور بنظام الأقساط أصبح واقعًا يتكرر في المقابر. مع ارتفاع أسعار شواهد القبور البسيطة إلى مبالغ باهظة لا تتحملها كثير من العائلات، ظهر سوق للدفع الآجل وحتى للأحجار المستعملة. بهذا المعنى المأساوي، يشتري الناس موت أحبائهم بنظام التقسيط، وتظل الديون قائمة حتى مع فقدان الحياة.
يذكر هذا الواقع قصيدة أحمد شاملو التي تصف موتًا في أرضٍ يصبح فيها أجر حفار القبور أعلى من ثمن كرامة الإنسان.
جذور الفقر: سياسة ريع أم فشل اقتصادي؟
يتغذى هذا الفقر الهيكلي على سياسات اقتصادية وسياسية تميّزها سمات الأنظمة الريعية. تشير بيانات محلية إلى تضخم عام مرتفع — أرقام تفيد بأن التضخم العام تجاوز 45%، وتصاعد تضخم المواد الغذائية من نحو 23.8% إلى 57.9% خلال عام واحد، مع زيادات تصل أحيانًا إلى 94% في أسعار بعض الاحتياجات. هذه المؤشرات تطرح سؤالًا جوهريًا: هل هذا الإفقار نتيجة أخطاء وأزمات عادية أم أنه نتاج سياسات متعمدة تُضعف قدرة المواطنين وتجعلهم رهائن الديون؟
كرامةٌ مغيَّبة… والمديونية كبديل للمعيشة
بينما تتحدث بعض الجهات الرسمية عن مؤشرات نمو غير واقعية، يواجه المواطن العادي واقعًا مختلفًا تمامًا: البطاقة الائتمانية أصبحت بطاقة الحياة، والراتب لم يعد يكفي لتأمين الحد الأدنى من الكرامة المعيشية. في ظل هذا النظام، لا تُعتبر المديونية خيارًا بل ضرورة؛ إذ يرتبط كل جانب من جوانب الحياة — من طعام الليلة إلى تكاليف العام الأخير — بسلسلة أقساط لا تنتهي.
الخلاصة: نظام يستدعي مقاومة
«نظام الأقساط» ليس مجرد نتيجة عابرة للأزمة، بل بنية اجتماعية واقتصادية تكرّس الفقر وتجعل منه نمطًا ثابتًا للحياة. في بلد غني بالموارد، يبدو هذا الإفقار ممنهجًا أو على الأقل نتيجة سياسات تسمح باستمرار نهب الثروات وفشل حماية المواطنين. هل يبقى خيار الصمت أمام واقع يشتري فيه الناس الموت والأمل بالتقسيط؟ أم أن طريقًا آخر — مقاومة أو تغيير — هو السبيل الوحيد لكسر هذا النظام الذي يقضم كرامة الناس؟








