موقع المجلس:
تواجه إيران واحدة من أخطر أزمات المياه التي عرفتها منذ عقود، إذ تكشف بيانات حديثة عن آثار كارثية ناجمة عن سنوات طويلة من سوء الإدارة، والسياسات غير المستدامة، وتجاهل الأولويات البيئية من قبل سلطات النظام.

وبحسب أحدث الإحصاءات الصادرة عن وزارة الطاقة وشركة إدارة الموارد المائية في البلاد، فإن أكثر من 90% من خزان سد كرج قد فرغ، فيما تعمل 22 سداً في مختلف أنحاء إيران بأقل من 15% من قدرتها الاستيعابية. كما لم تشهد 21 محافظة هطول أي أمطار منذ بداية فصل الخريف.
جفاف يهدد طهران: مخزون السدود عند الحد الأدنى والنظام يعترف بالخطر
أكدت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا» أن السدود الخمسة الرئيسة في طهران تعيش أزمة خانقة، وأن وضع المياه في العاصمة دخل مرحلة خطيرة، وسط تساؤلات متصاعدة حول احتمال اقتراب «اليوم صفر مائي» للمدينة.

نهر زایندة رود في اصفهان
ووفقاً للمسؤولين، فقد انخفض تدفق المياه إلى الخزانات خلال العام المائي الحالي (2025-2026) بنحو 39% مقارنة بالعام الماضي. كما تراجع حجم المياه المخزنة إلى 17.66 مليار متر مكعب، بعد أن كان 23 ملياراً، ليبلغ متوسط الإشغال 34% فقط في السدود.
وتتضح خطورة الموقف بشكل خاص في عدد من المحافظات، حيث تُظهر بيانات أوائل نوفمبر أن سد أمير كبير يحتوي على 11% من سعته، في حين يضم سد لار 2%، وسد لتيان 9%. أما في خوزستان، فقد انخفضت كمية المياه في سدود كارون ودز وكرخة بنسبة وصلت إلى 70%. كما باتت الخزانات في محافظات فارس وسيستان وبلوشستان وهرمزكان شبه جافة، بينما فرغت ثلاثة سدود رئيسية في شمال شرق البلاد تماماً، وهي وشمغير وكلستان وبستان.
وأشار أحمد نجفيان، رئيس شركة المياه الإقليمية في ألبرز، إلى أن الحرارة المرتفعة تسببت في معدلات تبخر غير مسبوقة، واصفاً العام الحالي بأنه «من أصعب الأعوام الهيدرولوجية خلال العقود الأخيرة»، ومحذراً من أن مستويات المياه الجوفية وصلت إلى مرحلة حرجة.
ورغم تفاقم الأزمة، تصر إدارة رئيس النظام مسعود پزشكيان على المضي في مشاريع نقل المياه بين الأحواض، المكلفة والمدمرة بيئياً، بدل إصلاح سياسات الاستهلاك أو الاستثمار في تقنيات أكثر استدامة. وأوضح المتحدث باسم قطاع المياه، عيسى بزرگزاده، في تصريح لوكالة «إيسنا» أن مخطط «خفض الضغط» سيستمر حتى استقرار الموارد المائية، مؤكداً أن مشروع نقل مياه طالقان يمثّل الحل الرئيسي المطروح.
لكن خبراء البيئة يحذرون من أن هذه المشاريع لا تعالج المشكلة، بل تنقلها من منطقة إلى أخرى. وقال الباحث البيئي محمد درويش لصحيفة «توسعه إيراني»:
«لقد جلبنا مياه طالقان إلى طهران لتأجيل لحظة الانهيار لا أكثر—كما نقلنا مياه منابع كارون ودز وزاب إلى أصفهان ويزد. والنتيجة؟ المزيد من الهجرة من مناطق زاغروس وخوزستان. قريباً، سيلحق سكان طالقان الذين تنضب مياههم بالموجات الجديدة نحو طهران. إلى متى نستمر في تكرار مأساة أصفهان؟».
الهجرة الداخلية: أزمة المياه تعمّق الفقر والفوضى
تدفع الإدارة السيئة، وتغير المناخ، وغياب الاستثمار في البنية الريفية، آلاف القرويين إلى الهجرة نحو المدن الكبرى، حيث يتركز معظمهم في الأحياء العشوائية، ما يزيد الفقر ويؤجج الاضطرابات الاجتماعية.
وعلى مدى ثلاثين عاماً، أسفرت خطة نقل المياه واسعة النطاق في إيران عن استنزاف الأنهار، وهبوط الأراضي، وانهيار الزراعة في المناطق التي نُقلت منها المياه. ويحذّر الخبراء من أن مشروع طالقان سيوجه ضربة جديدة للمدن والقرى المحيطة، وسيسهم في موجات نزوح إضافية.
ورغم أن المسؤولين يحمّلون تغير المناخ وقلّة الأمطار مسؤولية الأزمة، فإن البيانات الحكومية تكشف جانباً آخر: الاستهلاك المنزلي في إيران يبلغ ضعف المتوسط العالمي، في حين تمتلك البلاد ثلث متوسط الموارد المائية للفرد. ويعني ذلك أن أسباب الأزمة لا تتعلق فقط بـ«مطر غائب»، بل أساساً بـ«قيادة غائبة».
وعلى الجانب الآخر، نجحت دول خليجية مثل السعودية والإمارات وقطر والبحرين، على الرغم من معدلات الأمطار الأقل من إيران، في إدارة مواردها عبر تقنيات التحلية، وإعادة تدوير مياه الصرف، والتخطيط الزراعي المستدام. أما إيران، فلم تتمكن من إحراز تقدم مماثل بسبب سوء الإدارة، والفساد، وغياب الشفافية.
ومع انخفاض معدل الأمطار إلى 75% دون المتوسط طويل الأمد، تتجلى ملامح الانهيار البيئي: فقد تجاوز معدل هبوط الأراضي 40 سنتيمتراً سنوياً في مناطق طهران وورامين وأصفهان، مما يجعل أجزاء واسعة من وسط البلاد غير صالحة للعيش. ويحذر خبراء من أن عودة الأمطار وحدها لن تكفي لإعادة إحياء السدود وطبقات المياه الجوفية دون إصلاحات هيكلية جذرية.
ويرى محللون بيئيون أن تجاهل الإصلاح الجاد في إدارة الموارد المائية، وإيقاف مشاريع النقل غير المجدية، والاستثمار في التقنيات الحديثة، وتوعية المجتمع بأهمية الترشيد، سيقود البلاد نحو انفجار اجتماعي وأمني شامل.
تقف إيران اليوم على حافة أن تُصبح من أوائل الدول في الشرق الأوسط التي تدخل مرحلة «الإفلاس المائي».








