السياسة الكويتيه-مهى عون :عودة إيران للحديث عن الرغبة في التعاون مع دول الخليج دليل على فشل كل مناوراتها السابقةلم يجد العديد من المراقبين تفسيراً لعدائية إيران المفاجئة ضد المملكة العربية السعودية, وخصوصاً أن العلاقة بين الدولتين اتسمت خلال السنوات الماضية بالرغبة في التنسيق, والسعي المشترك من أجل فض مختلف الملفات والأزمات العالقة في الشرق الأوسط. بيد أن هذه الحيرة لم تدم طويلا مع بداية ظهور خفايا هذه المناورات والأهداف الخفية الكامنة وراءها, فقد تبين أنها لا تتعدى كونها بالونات اختبار, صالحة فقط للاستهلاك الإعلامي الإيراني الداخلي.
إن سيل الاتهامات الموجهة ضد المملكة العربية السعودية والتي صدرت أخيراً على لسان المسؤولين الإيرانيين,
وآخرها العائدة لرئيس مجلس النواب الإيراني علي لاريجاني, والتي تتهم السعودية بتقصد فتح جبهة قتالية مع الحوثيين, على الحدود اليمنية- السعودية ليس لها في الحقيقة أي تفسير مقنع, وقد لا تكون سوى من باب التحامل ليس إلا. فالقتال الدائر على حدود الجنوبية للمملكة, هو من قبل السعودية من باب الدفاع عن الحدود, ورد المتسللين الهادفين لدخول الأراضي السعودية بطريقة سرية ومشبوهة. ومن البديهي والطبيعي أن تقوم أي دولة بالذود عن حدودها وأرضها وأمن وسلامة مواطنيها, والعكس هو الخطأ, أما وقد اعترفت بهذا الحق غالبية المواثيق والدساتير الدولية. ولكن إيران التي لا ترى سوى بعين واحدة تخطت مجمل الشرائع الدولية في ما خص تدخلها السياسي والعسكري في اليمن, وتعمد إلى التركيز في خطابها الإعلامي على تدخل السعودية في الحرب الدائرة على الحدود بين اليمن والسعودية. وكأن اليمن وحدوده الشمالية هي مسؤولية إيرانية, وتعود لها مهمة تحديد وكشف من يتدخل هناك ومن يمول المعركة, وإلى سواها من الاتهامات, وكأن لاتوجد حكومة مركزية في صنعاء تعود إليها أولاً هذه المهمة.
وبالعودة لطبيعة العلاقة التي سادت بين إيران والسعودية خلال السنوات الماضية قد يكون من المهم التذكير بأن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز, كان قد أخذ المبادرة عام 2007 وقبيل مناسك الحج, في توجيه دعوة رسمية للرئيس أحمدي نجاد للقدوم إلى السعودية لأداء فريضة الحج. أما تلبية الرئيس الإيراني لهذه الدعوة فلقد شكلت سابقة تاريخية من ناحية أنها كانت أول زيارة لرئيس إيراني يزور السعودية منذ الثورة الإيرانية عام 1979 لأداء مناسك الحج. هذا مع العلم أن زيارة نجاد للسعودية كانت الرابعة له للمملكة, فلقد سبق وشارك في "قمة مكة" الاستثنائية الثالثة نهاية عام 2005, وأعقبها بزيارة رسمية لجدة في منتصف عام 2007, زار الرياض في نوفمبر الماضي للمشاركة في قمة "أوبك". وكانت تصب كل هذه الاتصالات في سياق السعي المشترك من قبل إيران والسعودية لتعزيز علاقاتهما التي سادتها لفترة طويلة مشاعر الريبة والحذر. وكان هم السعودية حينها وما زال سلوك كل السبل من أجل تسوية الأزمات العربية العالقة كالأزمة اللبنانية, والعراقية, والفلسطينية, على خلفية علاقة إيران المباشرة بكل هذه الأزمات. والجدير بالذكر أن الطرفين كانا قد اتفقا على العمل سوياً من أجل إيجاد المخارج والحلول لكل هذه الملفات العالقة.
فما الذي تغير اليوم حتى توجه السلطات الإيرانية إنذاراً للمملكة في عدم التعدي على الحجاج الإيرانيين. وكأنها تتحجج لتغطية افتعال أعمال شغب جديدة خلال فترة الحج, إلى إمكانية تجدد حادثة سابقة ذهب ضحيتها نحو 225 إيرانياً في عملية تدافع جرت خلال مرحلة الطواف ورمي الجمرات خلال السنة السابقة. ولكن بفعل الوعي السعودي وإعلان إصرار القوى النظامية السعودية على التعامل بشدة وحزم مع أي إخلال بأمن الحجاج, تم ضبط وإبعاد وإحباط كل النوايا المغرضة. ولما أدركت طهران أن توسل افتعال أعمال الشغب أثناء فترة الحج بات أمراً متعذراً عمدت إلى إخراج سلسلة أخرى من الاتهامات. فمن ادعائها بأن السعودية ضالعة بعملية تسليم الولايات المتحدة باحثاً نووياً إيرانياً, إلى اتهامها بدعم صنعاء بملايين الدولارات لمواجهة تمرد الحوثيين. ورداً على الادعاء الأول أوضحت رئاسة الدائرة الإعلامية في الخارجية السعودية أن المملكة تستقبل مليون معتمر وحاج سنوياً, وأن بعثات بلادهم في المملكة تتكفل عادة بالإشراف على إقامتهم ورعايتهم عن طريق مساعدتهم في تأمين المسكن والعناية الصحية الضروريتين. والتساؤلات تدور في ظل عدم العثور على العالم الإيراني في المدينة, حول احتمال اختفائه ضمن أسوار البعثة الإيرانية, ولأهداف لم تنجل خلفياتها بعد.
أما اللافت فكان تزامن الاستغلال الداخلي في إيران لهذه المناورة الإعلامية, عن طريق تعمد تنظيم تجمعات احتجاجية أمام السفارة السعودية في طهران, علها تكبر وتجر الشعب لاقتحامها, كما حدث مع السفارة الأميركية غداة الثورة الإيرانية. ولكن المخطط هذا كان مصيره الفشل كون الأسباب الداعية لذلك لم تكن مقنعة وكافية, ولم تلق هذه المساعي أرضية خصبة ومؤتية لدى الشعب الإيراني. أما من ناحية إظهار السعودية وكأنها تسعى إلى اعاقة تقدم البرنامج النووي الإيراني عن طريق تسليم العالم الإيراني لأميركا, فلم تنجح هي الأخرى كون الخبر لم تؤكد مصادره بعد, بل أصبح التركيز الإعلامي عليه عاملاً إضافياً في تعقيد العلاقات الإيرانية- ليس على المستوى الغربي فقط, بل وعلى مستوى العالم العربي أيضاً.
ولكن ما يمكن استخلاصه من وراء كل هذه المناورات العدائية تجاه السعودية هو أن الوضع الداخلي في إيران هو مأزوم إلى حد أن طهران باتت بحاجة ماسة "لشماعة ما" لكي تستعملها من أجل إعادة لم الشمل الداخلي حول "الاستبلشمنت" المتداعي, بل وربما حول نظام ولاية الفقيه المزعزعة أواصره اليوم. وفتح الجبهة على المملكة السعودية بواسطة الحوثيين الشيعة يهدف في ما يهدف إليه إلى تحويل المملكة إلى البعبع السني بامتياز. وحتى يعم القلق العالم العربي والإسلامي من دنو مرحلة ظهور الخلاف السني -الشيعي, عبر اليمن, أو ما كان يسمى بخاصرة الخليج العربي الرخوة. ولكن هذه "الشماعة" لم تنفع كونها خلقت ردة فعل إقليمية شاجبة, وحتى على مستوى الطائفة الشيعية التي لم تر في دفاع السعودية عن سيادتها أي إشكال ولم تدنه, بل على العكس.
أما عودة إيران اليوم لإظهار رغبة في التنسيق مع مجلس "التعاون" الخليجي, الذي اختتمت قمته امس له في الكويت فهو خير دليل على فشل كل المناورات السابقة. ودعوة وزير خارجية إيران منوشهر متكي إلى الكف عن استخدام القوة في الصراع مع الحوثيين, داعياً إلى الجلوس إلى طاولة الحوار من أجل إيجاد الحل السلمي لهذه الحرب, هو مؤشر للرغبة في التراجع والانكفاء عن ساحة المعركة بسبب عدم القدرة على المواجهة والعجز على الجبهات القتالية. أما دعوة متكي دول مجلس "التعاون "الخليجي لتفعيل مقترحات الرئيس أحمدي نجاد والتي قدمت لقمة الدوحة, وهي 12 مقترحاً تهدف جميعها لإيجاد آلية شاملة للتعاون بين طهران ودول مجلس التعاون, لهو موقف مستجد اليوم, ويدل فيما يدل إلى استشعار إيران بضرورة التنسيق مع جوارها المباشر,عن طريق تحييده والكف عن مناورات زجه بطريقة أو بأخرى في صراعاتها النووية المحتدمة مع المجتمع الدولي.
كاتبة سياسية لبنانية*
وبالعودة لطبيعة العلاقة التي سادت بين إيران والسعودية خلال السنوات الماضية قد يكون من المهم التذكير بأن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز, كان قد أخذ المبادرة عام 2007 وقبيل مناسك الحج, في توجيه دعوة رسمية للرئيس أحمدي نجاد للقدوم إلى السعودية لأداء فريضة الحج. أما تلبية الرئيس الإيراني لهذه الدعوة فلقد شكلت سابقة تاريخية من ناحية أنها كانت أول زيارة لرئيس إيراني يزور السعودية منذ الثورة الإيرانية عام 1979 لأداء مناسك الحج. هذا مع العلم أن زيارة نجاد للسعودية كانت الرابعة له للمملكة, فلقد سبق وشارك في "قمة مكة" الاستثنائية الثالثة نهاية عام 2005, وأعقبها بزيارة رسمية لجدة في منتصف عام 2007, زار الرياض في نوفمبر الماضي للمشاركة في قمة "أوبك". وكانت تصب كل هذه الاتصالات في سياق السعي المشترك من قبل إيران والسعودية لتعزيز علاقاتهما التي سادتها لفترة طويلة مشاعر الريبة والحذر. وكان هم السعودية حينها وما زال سلوك كل السبل من أجل تسوية الأزمات العربية العالقة كالأزمة اللبنانية, والعراقية, والفلسطينية, على خلفية علاقة إيران المباشرة بكل هذه الأزمات. والجدير بالذكر أن الطرفين كانا قد اتفقا على العمل سوياً من أجل إيجاد المخارج والحلول لكل هذه الملفات العالقة.
فما الذي تغير اليوم حتى توجه السلطات الإيرانية إنذاراً للمملكة في عدم التعدي على الحجاج الإيرانيين. وكأنها تتحجج لتغطية افتعال أعمال شغب جديدة خلال فترة الحج, إلى إمكانية تجدد حادثة سابقة ذهب ضحيتها نحو 225 إيرانياً في عملية تدافع جرت خلال مرحلة الطواف ورمي الجمرات خلال السنة السابقة. ولكن بفعل الوعي السعودي وإعلان إصرار القوى النظامية السعودية على التعامل بشدة وحزم مع أي إخلال بأمن الحجاج, تم ضبط وإبعاد وإحباط كل النوايا المغرضة. ولما أدركت طهران أن توسل افتعال أعمال الشغب أثناء فترة الحج بات أمراً متعذراً عمدت إلى إخراج سلسلة أخرى من الاتهامات. فمن ادعائها بأن السعودية ضالعة بعملية تسليم الولايات المتحدة باحثاً نووياً إيرانياً, إلى اتهامها بدعم صنعاء بملايين الدولارات لمواجهة تمرد الحوثيين. ورداً على الادعاء الأول أوضحت رئاسة الدائرة الإعلامية في الخارجية السعودية أن المملكة تستقبل مليون معتمر وحاج سنوياً, وأن بعثات بلادهم في المملكة تتكفل عادة بالإشراف على إقامتهم ورعايتهم عن طريق مساعدتهم في تأمين المسكن والعناية الصحية الضروريتين. والتساؤلات تدور في ظل عدم العثور على العالم الإيراني في المدينة, حول احتمال اختفائه ضمن أسوار البعثة الإيرانية, ولأهداف لم تنجل خلفياتها بعد.
أما اللافت فكان تزامن الاستغلال الداخلي في إيران لهذه المناورة الإعلامية, عن طريق تعمد تنظيم تجمعات احتجاجية أمام السفارة السعودية في طهران, علها تكبر وتجر الشعب لاقتحامها, كما حدث مع السفارة الأميركية غداة الثورة الإيرانية. ولكن المخطط هذا كان مصيره الفشل كون الأسباب الداعية لذلك لم تكن مقنعة وكافية, ولم تلق هذه المساعي أرضية خصبة ومؤتية لدى الشعب الإيراني. أما من ناحية إظهار السعودية وكأنها تسعى إلى اعاقة تقدم البرنامج النووي الإيراني عن طريق تسليم العالم الإيراني لأميركا, فلم تنجح هي الأخرى كون الخبر لم تؤكد مصادره بعد, بل أصبح التركيز الإعلامي عليه عاملاً إضافياً في تعقيد العلاقات الإيرانية- ليس على المستوى الغربي فقط, بل وعلى مستوى العالم العربي أيضاً.
ولكن ما يمكن استخلاصه من وراء كل هذه المناورات العدائية تجاه السعودية هو أن الوضع الداخلي في إيران هو مأزوم إلى حد أن طهران باتت بحاجة ماسة "لشماعة ما" لكي تستعملها من أجل إعادة لم الشمل الداخلي حول "الاستبلشمنت" المتداعي, بل وربما حول نظام ولاية الفقيه المزعزعة أواصره اليوم. وفتح الجبهة على المملكة السعودية بواسطة الحوثيين الشيعة يهدف في ما يهدف إليه إلى تحويل المملكة إلى البعبع السني بامتياز. وحتى يعم القلق العالم العربي والإسلامي من دنو مرحلة ظهور الخلاف السني -الشيعي, عبر اليمن, أو ما كان يسمى بخاصرة الخليج العربي الرخوة. ولكن هذه "الشماعة" لم تنفع كونها خلقت ردة فعل إقليمية شاجبة, وحتى على مستوى الطائفة الشيعية التي لم تر في دفاع السعودية عن سيادتها أي إشكال ولم تدنه, بل على العكس.
أما عودة إيران اليوم لإظهار رغبة في التنسيق مع مجلس "التعاون" الخليجي, الذي اختتمت قمته امس له في الكويت فهو خير دليل على فشل كل المناورات السابقة. ودعوة وزير خارجية إيران منوشهر متكي إلى الكف عن استخدام القوة في الصراع مع الحوثيين, داعياً إلى الجلوس إلى طاولة الحوار من أجل إيجاد الحل السلمي لهذه الحرب, هو مؤشر للرغبة في التراجع والانكفاء عن ساحة المعركة بسبب عدم القدرة على المواجهة والعجز على الجبهات القتالية. أما دعوة متكي دول مجلس "التعاون "الخليجي لتفعيل مقترحات الرئيس أحمدي نجاد والتي قدمت لقمة الدوحة, وهي 12 مقترحاً تهدف جميعها لإيجاد آلية شاملة للتعاون بين طهران ودول مجلس التعاون, لهو موقف مستجد اليوم, ويدل فيما يدل إلى استشعار إيران بضرورة التنسيق مع جوارها المباشر,عن طريق تحييده والكف عن مناورات زجه بطريقة أو بأخرى في صراعاتها النووية المحتدمة مع المجتمع الدولي.
كاتبة سياسية لبنانية*








