العراق للجميع-كتابة – صافي الياسري :قبل ايام اصدر رئيس الوزراء قرارًا بنقل سكان مخيم اشرف الى منطقة اخرى في العراق رجح انها محافظة المثنى وتحديدًا الى نقرة السلمان الرهيبة المعروفة، في خطوة اعترف انها تمهيدية لنقلهم خارج العراق، وحدد يوم الخامس عشر من الشهر الجاري موعدًا لبدء عملية النقل، ودعا مكتب الناطق الرسمي باسم الحكومة عددًا من الصحفيين ووكالات الانباء والفضائيات لزيارة المخيم والاطلاع عن كثب على الاوضاع فيه واجراءات النقل التي تعد لها الحكومة، وقد كان موقع تجمع الصحفيين لغرض نقلهم الى مخيم اشرف هو قرب مركز شرطة الصالحية تمام الساعة السابعة والنصف صباحًا،
وبالفعل تجمع اكثر من سبعين صحفيًا ومراسلاً واعلاميًا ومصورًا في المكان والوقت المحدد وكانت السيارات المعدة للنقل مهيأة وكذلك سيارات حماية فوج حماية رئاسة الوزراء التي واكبت الوفد الاعلامي حراسة، وبعد السابعة بقليل انفجرت سيارة مفخخة في موقع قريب من تجمع الاعلاميين ومع انها لم تلحق ضررًا باحد منهم الا ان الجميع فهم الموقف على انه رسالة من احدهم يريد منع الوفد من الذهاب الى المخيم وقد سارعت امانة المجلس الوطني للمقاومة الايرانية من باريس الى اتهام النظام الايراني بانه يقف وراء هذا التفجير ليمنع الصحفيين من تغطية عملية نقل عناصر المنظمة المقيمين في المخيم واعادت الامانة الى الاذهان انها تملك وثائق ومعلومات موثقة من داخل قوات الحرس وقوة القدس تؤكد ان النظام الايراني وعملاءه يتحملون مسؤولية التفجيرات السابقة في بغداد وهم الذين يعدون لها الاسلحة والذخائر والمتفجرات ويدفعون الاموال، في الوقت نفسه سارع النظام الايراني الى اتهام منظمة مجاهدي خلق بمحاولة تفجير موكب الصحفيين والاعلاميين المتجه الى اشرف كي لا يكتشفون الحقيقة على حد تعبير المسؤولين الايرانيين وعلى اية حال لم نبال بالامر واصررنا على السير قدمًا واتمام الواجب مع ان عددًا غير قليل تراجع خشية ما هو غير متوقع على الطريق في هذه الحرب التي بات العراق ساحة تصفية لها، كنا نراقب الطريق الى صحراء العظيم، وتذكرت كم هو عدد المرات التي قطعت فيها هذا الطريق لتغطية احداث في ديالى وكركوك وفي هبهب حتى يوم مقتل الزرقاوي، تذكرت ان منطقة جديدة الشط كان موقعا لتبادل البضائع بين بغداد وديالى حين سيطرت دولة العراق الاسلامية على ما يقرب من ثلثي ديالى، وتذكرت كيف كان الجميع ينصحنا بالحذر بين جديدة الشط وهبهب والخويلص حيث ينصب عناصر دولة العراق سيطرات وهمية ويقومون بالقتل على الهوية ويمكن الكثيرون رواية قصص عن رؤوس كانت تلقى على ارصفة الطرق ويمكن مشاهدة الحفر ترقش جوانب الشارع ووسطه حتى عام2007، لكن الامور تغيرت الان حقاً وبتنا نسير بامان، بعد الخالص بـ28 كيلومترًا وفي بداية صحراء العظيم والى اليمين من الشارع يقوم مخيم اشرف الذي صار عمره 24 عامًا بالتمام والكمال وكان مجرد دائرة من الاسلاك الشائكة حول ساحة للتدريب على قيادة الدبابات والرماية والتدريبات العسكرية الاخرى ثم اخذ بالتحول الى مستقر لعناصر ومقاتلي منظمة مجاهدي خلق ضمن معسكرات اخرى توزعت على خارطة العراق بموافقة الحكومة السابقة، الا ان هذه المقرات الغيت وتم تجميع عناصر مقاتلي المنظمة في مخيم اشرف وبعد الاحتلال الاميركي نهبت محتويات كل تلك المقرات والمخيمات الا مخيم اشرف الذي بات تحت حماية الاميركان ووقع سكانه معهم اتفاقية تسليم السلاح مقابل الحماية واعترف لهم الاميركان بمركز قانوني كمحميين دوليًا على وفق معاهدة جنيف الرابعة اي كمدنيين– البند السابع، وهو ما لا يعترف به العراق حاليًا برغم كل الدعوات الدولية لضرورة احترام كون عناصر منظمة مجاهدي خلق بمثابة لاجئين بحكم الامر الواقع ( Defacto).
ها نحن على بوابة مخيم اشرف وبدلاً من ان نجد سكان المخيم واقفين على البوابة يحرسونها كما كان الامر ايام الحماية الاميركية، التقينا عددًا من الضباط والجنود العراقيين، ثم توغلنا داخل المخيم الذي لم يفقد طابعه، فقد استطاع سكانه تحويله من معسكر الى مدينة اخاذة الجمال بشوارع مبلطة نظيفة زرعت على جانبيها اشجار اليوكالبتوس كثيفة الخضرة واشجار الزينة والزهور، وفي الحقيقة كنت اظن ان عامًا من الحصار العراقي الذي فرض عليهم بعد تسلم القوات العراقية مسؤولية الامن عن المخيم، ستجعلهم يكسلون ولا يفكرون في زراعة الازهار بل في بلواهم، لكنني كنت مخطئاً فحتى حين وصلناهم في الساعة الحادية عشرة صباحًا كان عدد منهم يسقي الشجيرات ويشذبها ويعتني بالازهار وكانه غير مهدد بالنقل والترحيل بعد ساعة او ساعتين، اجتزنا ساحة اشرف وساحة الاحتفالات وساحة البرج وساحة لاله ولم نشهد احدًا من سكان المخيم وكأنهم افرغوا الشارع عن عمد لنمر، وتجولت بنا السيارات في كل انحاء المدينة دون احتكاك مع السكان، وكنت قد زرت المخيم سابقاً واعرف خارطته واعرف ان فيه جامعة لتدريس العلوم واللغات ومنها العربية وكذلك تدريس الحاسوب والالكترونيات واوليات التمريض والاسعافات الاولية، كذلك توجد معامل لصناعة ارقى انواع الاثاث الخشبية والبوب والشبابيك المعدنية والكرفانات التي تصدرها الى انحاء العراق وكان الاميركان بعض زبائنهم، وبكل صراحة ودقة اقول انهم كانوا اشبه بخلية نحل دؤوب وكانوا يعيلون انفسهم ويوفرون لها ما تشتهي من طعام كما ان لديهم افران لصنع انواع المعجنات ومعمل لصنع المرطبات والمشروبات الغازية، وبيوت زجاجية لزراعة اشجار الزينة والخضار، ولديهم مجموعة فلل او شقق ارضية اطلقوا عليها اسم هتل ايران اي فندق ايران يستقبلون فيها ضيوفهم من ذوي سكان المخيم ومن اصدقائهم في خارج العراق وهم حتى وقت قريب كانوا يوفرون فرص عمل عديدة لابناء المنطقة في تسوية الارض والسواقي وتشذيب الحدائق والحقول والبناء فالاعمار في المخيم استمر حتى اوقفته الحكومة حين منعت دخول السمنت والطابوق ومواد البناء الاخرى، كما يوجد داخل المخيم مستشفى صغير وفي مدخل المخيم مستوصف خصص لمعالجة ابناء المنطقة من النساء والاطفال والشيوخ وقد اغلق هذا المستوصف وكذلك المستشفى بسبب منع دخول الدواء والاطباء بشكل مطلق الى المخيم من قبل السلطات العراقية وتقديم الخدمات الصحية عن طريق دائرة صحة ديالى ويشكو سكان المخيم من عقبات كثيرة في هذا المضمار، هناك ايضًا مشروع اسالة الماء الضخم الذي تسحبه مضخات خاصة من دجلة في سامراء وتقوم بتصفيته مكائن خاصة حتى يغدو صالحًا للاستهلاك البشري وهم يزودون جيرانهم من الفلاحين والمزارعين والرعاة بحاجتهم من الماء من خلال صهاريج خصصت لهذا الغرض ينتفع منها ما يقرب من عشرين الف عراقي ممن يسكنون حول المخيم.
وثمة الكثير مما لا يتسع المجال للحديث عنه ولا ادري كيف سيتركونه ويذهبون وكيف ستتعامل معه الحكومة العراقية فهل ستصادره ام ستعوضهم عنه، فقد انفقوا عليه مالاً وجهدًا كبيرًا.
المهم كيف.. لا ادري وجدت نفسي مع البقية قرب مجموعة كرفانات يحتلها الجيش العراقي وفي احدها جلس العميد باسل حمود عضو لجنة اغلاق اشرف التابعة لرئاسة الوزراء وبمعيته عدد من كبار الضباط من الدفاع والداخلية، وفي تصريح صحفي قال انه تم ابلاغ اللاجئين الايرانيين في اشرف بالنقاط التي وضعتها اللجنة للتعامل معهم اعتبارًا من هذا اليوم، وانه بانتظار ردود اللاجئين حول تلك النقاط وعند سؤالنا عن ماهية هذه النقاط قال: رجوناهم الاستماع الى توجيهات الحكومة العراقية والنقاط هي:
1- ان الحكومة العراقية جادة في اغلاق هذا المخيم ونقلكم الى اماكن اخرى.
2- الحكومة العراقية ملتزمة بعدم الابعاد القسري
3- ستعمل الحكومة العراقية لايجاد حلول مناسبة لسكان المخيم بالتنسيق مع المنظمات الدولية
4- سوف نؤمن لكم كافة الخدمات الصحية والانسانية في الاماكن الجديدة باشراف المنظمات الدولية
5- الاشخاص الذين تركوا المخيم معضمهم سافروا خارج العراق باشراف منظمة الصليب الاحمر الدولي وحصل الباقي منهم على صفة لاجيء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين
6- على كل من يرغب بترك المخيم تسليم نفسه الى اقرب رجل امن من رجال الحكومة العراقية.
وفيما عدا النقطة الثانية التي تقول ان الحكومة العراقية ملزمة بعدم الابعاد القسري بينما هي ترحلهم قسرًا كما هو واضح، فان بقية النقاط يمكن النظر اليها على انها فيها ايجابيات كثيرة وعن سؤال للدستور حول ما اذا كان العميد باسل يتوقع حوادث عنف كما جرى في 28 و29 تموز الماضي؟ قال انه لا يتوقع ذلك ويامل ان يستجيب اللاجئون الايرانيون في اشرف لنداء الحكومة العراقية، وحين كررت سؤالي قائلا واذا لم يستجب سكان اشرف لتلك النداءات واصروا على البقاء في اشرف، قال عندها لكل حادث حديث، وقال علي مدني احد الكوادر المتقدمة في منظمة مجاهدي خلق اثر لقائه بالعميد باسل وحوارهما في غرفة العميد، انه العميد باسل قال اليوم لا عنف لكنه لا يضمن الغد؟؟ اما نحن فلن نغادر اشرف مهما كانت العواقب، الكلام نفسه كرره عباس داوري احد كبار قياديي النظمة، وفي تصريح خص به الدستور قال مهدي عقبائي الناطق الرسمي باسم منظمة مجاهدي خلق اننا محميون دوليًا ونحن نخضع للقوانين الدولية نحن لاجئون بحكم الامر الواقع ومحميون على وفق مبدأ الحماية ارتوبي والقوانين الدولية تحرم ابعادنا او نقلنا الى اي مكان غير المكان الذي نحن فيه، وسوف لن نناقش او نفاوض الحكومة العراقية على حقوقنا فلدينا محامون دوليون هم الذين سيتولون الاجابة عنا، وكان المحامي الفرنسي العالمي المعروف فرانسوا سيرا قد صرح (ان التصريحات غير القانونية الاخيرة للسلطات العراقية حول نقل سكان اشرف في 15 الجاري الى بغداد ومن هناك الى مناطق اخرى، اثارت مخاوف شديدة لدى كل خبراء القانون الدولي، ونصح سكان المخيم بعدم اجراء اية محادثات او مفاوضات مع الحكومة العراقية لمنع المزيد من الاستغلال حسب تعبيره وطلب منهم ان يحيلوا كل القرارات والطلبات المقدمة من الحكومة العراقية لهم الى محاميهم في اللجنة الدولية للخبراء القانونيين، وانه يجب ان تحضر اللجنة الدولية للخبراء القانونيين للدفاع عن اشرف ولجنة البحث عن العدالة اي تفاوض بين سكان اشرف والسلطات العراقية)، وهذا ما جعل هم فعلا يصرون على عدم التفاوض او اجراء اي نقاش مع الحكومة العراقية حول مسالة نقلهم من اشرف، وقال بعضهم لو ارادوا اخراجنا بالقوة فسيخرجوننا جثثاً، كلنا كتبنا وصايانا؟؟ وقالت منظمة العفو الدولية الجمعة الماضية يجب على السلطات العراقية الا تقوم بالنقل والتهجير القسري لحوالي 3400من اعضاء جماعة ايرانية معارضة من موقع اقامتهم الذي يعيشون فيه منذ اواسط الثمانينات، اما الامين العام للامم المتحدة فقد ذكر في تقريره السنوي الى مجلس الامن حسب الفقرة السادسة من القرار 1183 الصادر عن مجلس الامن عام 2009 وهو اكبر وثيقة رسمية دولية متفق عليها وتم تبنيه من مجلس الامن كوثيقة رسمية للامم المتحدة، ورد فيه وتحديدًا في الفقرة 49 ما يلي:
الفقرة 49 – وفيما يتعلق بمعسكر اشرف (camp Ashraf) فقد تصاعدت التوترات يومي 28\29 تموز يوليو بين قوات الامن العراقية وسكان المعسكر الذين ينتمون الى منظمة مجاهدي خلق، فعندما دخلت قوات الامن العراقية المعسكر لانشاء مركز للشرطة داخله، اعترض مجاهدو خلق بشدة واسفرت المواجهة التي تلت ذلك عن مقتل 11 شخصًا من سكان المعسكر واصابة حوالي200 شخص واعتقلت قوات الامن العراقية36 شخصًا وفي7 تشرين الاول الماضي اطلق سراحهم واعيدوا الى المعسكر بعد موافقتهم على المثول امام محكمة عراقية في حال اصدار اوامر حضور بحقهم، وعلى مغادرة العراق لاعادة توطينهم في بلد ثالث اذا سنحت الفرصة، وبعد ذلك دعا المسؤولون في الحكومة العراقية الى اغلاق المعسكر، ولكنهم اكدوا من جديد للبعثة التزامهم بمعاملة سكان المعسكر وفقا للقانون الانساني الدولي ومبدا عدم الاعادة القسرية، واستجابة لطلبات عديدة اخذت البعثة على عاتقها بدعم من مفوضية الامم المتحدة لحقوق الانسان لرصد الحالة الانسانية في المعسكر في اطار الجهود المبذولة لايجاد حلول ممكنة تضم مختلف الاطراف المهتمة.
لكن البعثة والمقصود هنا اليونامي لم تكن موجودة ولو بممثل عنها لا لرصد الحالة الانسانية في المعسكر في مثل هذا اليوم الذي يفترض فيه ان يكون لها حضور مهم؟؟ مع انها ذكرت في الصفحة22 من تقرير حقوق الانسان بشان منظمة مجاهدي خلق الايرانية ما نصه ( تواصل بعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق تقييم اية مخاطر تواجه سكان مخيم اشرف من حيث العودة غير الطوعية الى بلدهم الاصل وترى البعثة عدم جواز ترحيل او طرد السكان او اعادتهم الى اوطانهم بشكل ينتهك مبدا عدم الاعادة القسرية او كأن يتم تهجيرهم داخل العراق (وهذه النقطة هي مصدر التوتر الحالي بين سكان اشرف والحكومة العراقية) في انتهاك لاحكام القانون الانساني الدولي، واكدت اليونامي على ان قوات التحالف سبق لها في2004 ان قررت اعتبار سكان مخيم اشرف محميين بموجب احكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تشمل المدنيين الاجانب في مناطق النزاع.
اما عراقيًا فقد حذر بيان صحفي حمل توقيع 24 نائبا من نقل سكان اشرف قسرًا لانهم محميون دوليًا ووصف نائب رئيس الوزراء العراقي السابق سلام الزوبعي قيام الحكومة العراقية بنقل سكان معسكر اشرف من ديالى الى بغداد بانها خطوة خطرة وقال ان نقل سكان معسكر اشرف الى بغداد عمل غير قانوني ويترتب عليه الكثير وهذا دليل على ان الحكومة باتت تتخبط وان عناصر منظمة مجاهدي خلق موقفهم قانوني الا ان الحكومة لا تعرف ماذا تريد، وقال صالح المطلك الامين العام للحركة الوطنية واصفاً نقل سكان اشرف من مخيمهم بانه امر له توجهات ايرانية.
وعلى اية حال لا نريد ان نسبق الامور ولا ان نتعجل في الحكم على اية جهة في هذه الناحية ونكتفي بامانة النقل ونترك الحكم لصاحب الحكم ونعني المواطن العراقي والضمير الانساني، ولكننا لم نشك اليوم ان هدوء الامور في اشرف خلال وجودنا سوف ينتهي بعد مغادرتنا وقد قالها لنا الكثير من سكان المخيم وقبل ان نودع استعرضت عضلاتها امامنا ثلة من عناصر مكافحة الشغب مدججة بالدروع والهراوات الكهربائية، ووقفتى على باب المخيم عدة سيارات اسعاف استعدادًا لما يمكن توقعه، فيما ودعتنا على الباب فتيات ونساء من سكان المخيم يرفعن لافتات ينددن فيها بتحريض النظام الايراني الحكومة العراقية على سكان اشرف، وقد عاد الى ذهني قول العميد باسم (اليوم لا عنف ولكن لاضمان غدًا) وانا اصورهن واقتربت احداهن من نافذتي وقالت بصوت عال قل لهم قل للجميع ان اشرف بيتنا فهل يقبل احد ان يغادر بيته؟؟
ها نحن على بوابة مخيم اشرف وبدلاً من ان نجد سكان المخيم واقفين على البوابة يحرسونها كما كان الامر ايام الحماية الاميركية، التقينا عددًا من الضباط والجنود العراقيين، ثم توغلنا داخل المخيم الذي لم يفقد طابعه، فقد استطاع سكانه تحويله من معسكر الى مدينة اخاذة الجمال بشوارع مبلطة نظيفة زرعت على جانبيها اشجار اليوكالبتوس كثيفة الخضرة واشجار الزينة والزهور، وفي الحقيقة كنت اظن ان عامًا من الحصار العراقي الذي فرض عليهم بعد تسلم القوات العراقية مسؤولية الامن عن المخيم، ستجعلهم يكسلون ولا يفكرون في زراعة الازهار بل في بلواهم، لكنني كنت مخطئاً فحتى حين وصلناهم في الساعة الحادية عشرة صباحًا كان عدد منهم يسقي الشجيرات ويشذبها ويعتني بالازهار وكانه غير مهدد بالنقل والترحيل بعد ساعة او ساعتين، اجتزنا ساحة اشرف وساحة الاحتفالات وساحة البرج وساحة لاله ولم نشهد احدًا من سكان المخيم وكأنهم افرغوا الشارع عن عمد لنمر، وتجولت بنا السيارات في كل انحاء المدينة دون احتكاك مع السكان، وكنت قد زرت المخيم سابقاً واعرف خارطته واعرف ان فيه جامعة لتدريس العلوم واللغات ومنها العربية وكذلك تدريس الحاسوب والالكترونيات واوليات التمريض والاسعافات الاولية، كذلك توجد معامل لصناعة ارقى انواع الاثاث الخشبية والبوب والشبابيك المعدنية والكرفانات التي تصدرها الى انحاء العراق وكان الاميركان بعض زبائنهم، وبكل صراحة ودقة اقول انهم كانوا اشبه بخلية نحل دؤوب وكانوا يعيلون انفسهم ويوفرون لها ما تشتهي من طعام كما ان لديهم افران لصنع انواع المعجنات ومعمل لصنع المرطبات والمشروبات الغازية، وبيوت زجاجية لزراعة اشجار الزينة والخضار، ولديهم مجموعة فلل او شقق ارضية اطلقوا عليها اسم هتل ايران اي فندق ايران يستقبلون فيها ضيوفهم من ذوي سكان المخيم ومن اصدقائهم في خارج العراق وهم حتى وقت قريب كانوا يوفرون فرص عمل عديدة لابناء المنطقة في تسوية الارض والسواقي وتشذيب الحدائق والحقول والبناء فالاعمار في المخيم استمر حتى اوقفته الحكومة حين منعت دخول السمنت والطابوق ومواد البناء الاخرى، كما يوجد داخل المخيم مستشفى صغير وفي مدخل المخيم مستوصف خصص لمعالجة ابناء المنطقة من النساء والاطفال والشيوخ وقد اغلق هذا المستوصف وكذلك المستشفى بسبب منع دخول الدواء والاطباء بشكل مطلق الى المخيم من قبل السلطات العراقية وتقديم الخدمات الصحية عن طريق دائرة صحة ديالى ويشكو سكان المخيم من عقبات كثيرة في هذا المضمار، هناك ايضًا مشروع اسالة الماء الضخم الذي تسحبه مضخات خاصة من دجلة في سامراء وتقوم بتصفيته مكائن خاصة حتى يغدو صالحًا للاستهلاك البشري وهم يزودون جيرانهم من الفلاحين والمزارعين والرعاة بحاجتهم من الماء من خلال صهاريج خصصت لهذا الغرض ينتفع منها ما يقرب من عشرين الف عراقي ممن يسكنون حول المخيم.
وثمة الكثير مما لا يتسع المجال للحديث عنه ولا ادري كيف سيتركونه ويذهبون وكيف ستتعامل معه الحكومة العراقية فهل ستصادره ام ستعوضهم عنه، فقد انفقوا عليه مالاً وجهدًا كبيرًا.
المهم كيف.. لا ادري وجدت نفسي مع البقية قرب مجموعة كرفانات يحتلها الجيش العراقي وفي احدها جلس العميد باسل حمود عضو لجنة اغلاق اشرف التابعة لرئاسة الوزراء وبمعيته عدد من كبار الضباط من الدفاع والداخلية، وفي تصريح صحفي قال انه تم ابلاغ اللاجئين الايرانيين في اشرف بالنقاط التي وضعتها اللجنة للتعامل معهم اعتبارًا من هذا اليوم، وانه بانتظار ردود اللاجئين حول تلك النقاط وعند سؤالنا عن ماهية هذه النقاط قال: رجوناهم الاستماع الى توجيهات الحكومة العراقية والنقاط هي:
1- ان الحكومة العراقية جادة في اغلاق هذا المخيم ونقلكم الى اماكن اخرى.
2- الحكومة العراقية ملتزمة بعدم الابعاد القسري
3- ستعمل الحكومة العراقية لايجاد حلول مناسبة لسكان المخيم بالتنسيق مع المنظمات الدولية
4- سوف نؤمن لكم كافة الخدمات الصحية والانسانية في الاماكن الجديدة باشراف المنظمات الدولية
5- الاشخاص الذين تركوا المخيم معضمهم سافروا خارج العراق باشراف منظمة الصليب الاحمر الدولي وحصل الباقي منهم على صفة لاجيء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين
6- على كل من يرغب بترك المخيم تسليم نفسه الى اقرب رجل امن من رجال الحكومة العراقية.
وفيما عدا النقطة الثانية التي تقول ان الحكومة العراقية ملزمة بعدم الابعاد القسري بينما هي ترحلهم قسرًا كما هو واضح، فان بقية النقاط يمكن النظر اليها على انها فيها ايجابيات كثيرة وعن سؤال للدستور حول ما اذا كان العميد باسل يتوقع حوادث عنف كما جرى في 28 و29 تموز الماضي؟ قال انه لا يتوقع ذلك ويامل ان يستجيب اللاجئون الايرانيون في اشرف لنداء الحكومة العراقية، وحين كررت سؤالي قائلا واذا لم يستجب سكان اشرف لتلك النداءات واصروا على البقاء في اشرف، قال عندها لكل حادث حديث، وقال علي مدني احد الكوادر المتقدمة في منظمة مجاهدي خلق اثر لقائه بالعميد باسل وحوارهما في غرفة العميد، انه العميد باسل قال اليوم لا عنف لكنه لا يضمن الغد؟؟ اما نحن فلن نغادر اشرف مهما كانت العواقب، الكلام نفسه كرره عباس داوري احد كبار قياديي النظمة، وفي تصريح خص به الدستور قال مهدي عقبائي الناطق الرسمي باسم منظمة مجاهدي خلق اننا محميون دوليًا ونحن نخضع للقوانين الدولية نحن لاجئون بحكم الامر الواقع ومحميون على وفق مبدأ الحماية ارتوبي والقوانين الدولية تحرم ابعادنا او نقلنا الى اي مكان غير المكان الذي نحن فيه، وسوف لن نناقش او نفاوض الحكومة العراقية على حقوقنا فلدينا محامون دوليون هم الذين سيتولون الاجابة عنا، وكان المحامي الفرنسي العالمي المعروف فرانسوا سيرا قد صرح (ان التصريحات غير القانونية الاخيرة للسلطات العراقية حول نقل سكان اشرف في 15 الجاري الى بغداد ومن هناك الى مناطق اخرى، اثارت مخاوف شديدة لدى كل خبراء القانون الدولي، ونصح سكان المخيم بعدم اجراء اية محادثات او مفاوضات مع الحكومة العراقية لمنع المزيد من الاستغلال حسب تعبيره وطلب منهم ان يحيلوا كل القرارات والطلبات المقدمة من الحكومة العراقية لهم الى محاميهم في اللجنة الدولية للخبراء القانونيين، وانه يجب ان تحضر اللجنة الدولية للخبراء القانونيين للدفاع عن اشرف ولجنة البحث عن العدالة اي تفاوض بين سكان اشرف والسلطات العراقية)، وهذا ما جعل هم فعلا يصرون على عدم التفاوض او اجراء اي نقاش مع الحكومة العراقية حول مسالة نقلهم من اشرف، وقال بعضهم لو ارادوا اخراجنا بالقوة فسيخرجوننا جثثاً، كلنا كتبنا وصايانا؟؟ وقالت منظمة العفو الدولية الجمعة الماضية يجب على السلطات العراقية الا تقوم بالنقل والتهجير القسري لحوالي 3400من اعضاء جماعة ايرانية معارضة من موقع اقامتهم الذي يعيشون فيه منذ اواسط الثمانينات، اما الامين العام للامم المتحدة فقد ذكر في تقريره السنوي الى مجلس الامن حسب الفقرة السادسة من القرار 1183 الصادر عن مجلس الامن عام 2009 وهو اكبر وثيقة رسمية دولية متفق عليها وتم تبنيه من مجلس الامن كوثيقة رسمية للامم المتحدة، ورد فيه وتحديدًا في الفقرة 49 ما يلي:
الفقرة 49 – وفيما يتعلق بمعسكر اشرف (camp Ashraf) فقد تصاعدت التوترات يومي 28\29 تموز يوليو بين قوات الامن العراقية وسكان المعسكر الذين ينتمون الى منظمة مجاهدي خلق، فعندما دخلت قوات الامن العراقية المعسكر لانشاء مركز للشرطة داخله، اعترض مجاهدو خلق بشدة واسفرت المواجهة التي تلت ذلك عن مقتل 11 شخصًا من سكان المعسكر واصابة حوالي200 شخص واعتقلت قوات الامن العراقية36 شخصًا وفي7 تشرين الاول الماضي اطلق سراحهم واعيدوا الى المعسكر بعد موافقتهم على المثول امام محكمة عراقية في حال اصدار اوامر حضور بحقهم، وعلى مغادرة العراق لاعادة توطينهم في بلد ثالث اذا سنحت الفرصة، وبعد ذلك دعا المسؤولون في الحكومة العراقية الى اغلاق المعسكر، ولكنهم اكدوا من جديد للبعثة التزامهم بمعاملة سكان المعسكر وفقا للقانون الانساني الدولي ومبدا عدم الاعادة القسرية، واستجابة لطلبات عديدة اخذت البعثة على عاتقها بدعم من مفوضية الامم المتحدة لحقوق الانسان لرصد الحالة الانسانية في المعسكر في اطار الجهود المبذولة لايجاد حلول ممكنة تضم مختلف الاطراف المهتمة.
لكن البعثة والمقصود هنا اليونامي لم تكن موجودة ولو بممثل عنها لا لرصد الحالة الانسانية في المعسكر في مثل هذا اليوم الذي يفترض فيه ان يكون لها حضور مهم؟؟ مع انها ذكرت في الصفحة22 من تقرير حقوق الانسان بشان منظمة مجاهدي خلق الايرانية ما نصه ( تواصل بعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق تقييم اية مخاطر تواجه سكان مخيم اشرف من حيث العودة غير الطوعية الى بلدهم الاصل وترى البعثة عدم جواز ترحيل او طرد السكان او اعادتهم الى اوطانهم بشكل ينتهك مبدا عدم الاعادة القسرية او كأن يتم تهجيرهم داخل العراق (وهذه النقطة هي مصدر التوتر الحالي بين سكان اشرف والحكومة العراقية) في انتهاك لاحكام القانون الانساني الدولي، واكدت اليونامي على ان قوات التحالف سبق لها في2004 ان قررت اعتبار سكان مخيم اشرف محميين بموجب احكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تشمل المدنيين الاجانب في مناطق النزاع.
اما عراقيًا فقد حذر بيان صحفي حمل توقيع 24 نائبا من نقل سكان اشرف قسرًا لانهم محميون دوليًا ووصف نائب رئيس الوزراء العراقي السابق سلام الزوبعي قيام الحكومة العراقية بنقل سكان معسكر اشرف من ديالى الى بغداد بانها خطوة خطرة وقال ان نقل سكان معسكر اشرف الى بغداد عمل غير قانوني ويترتب عليه الكثير وهذا دليل على ان الحكومة باتت تتخبط وان عناصر منظمة مجاهدي خلق موقفهم قانوني الا ان الحكومة لا تعرف ماذا تريد، وقال صالح المطلك الامين العام للحركة الوطنية واصفاً نقل سكان اشرف من مخيمهم بانه امر له توجهات ايرانية.
وعلى اية حال لا نريد ان نسبق الامور ولا ان نتعجل في الحكم على اية جهة في هذه الناحية ونكتفي بامانة النقل ونترك الحكم لصاحب الحكم ونعني المواطن العراقي والضمير الانساني، ولكننا لم نشك اليوم ان هدوء الامور في اشرف خلال وجودنا سوف ينتهي بعد مغادرتنا وقد قالها لنا الكثير من سكان المخيم وقبل ان نودع استعرضت عضلاتها امامنا ثلة من عناصر مكافحة الشغب مدججة بالدروع والهراوات الكهربائية، ووقفتى على باب المخيم عدة سيارات اسعاف استعدادًا لما يمكن توقعه، فيما ودعتنا على الباب فتيات ونساء من سكان المخيم يرفعن لافتات ينددن فيها بتحريض النظام الايراني الحكومة العراقية على سكان اشرف، وقد عاد الى ذهني قول العميد باسم (اليوم لا عنف ولكن لاضمان غدًا) وانا اصورهن واقتربت احداهن من نافذتي وقالت بصوت عال قل لهم قل للجميع ان اشرف بيتنا فهل يقبل احد ان يغادر بيته؟؟








