السياسة الكويتية – داود البصري: بات واضحا, وبشكل لا لبس فيه, أن تحالف نظاما طهران ودمشق قد وصل لمرحلة حاسمة مع تسارع الأحداث لقرب سقوط النظام السوري الذي لا يمكن للعمليات العسكرية الروسية أن تحرفه عن مساره, أو أن تمنع تحققه, فهزائم قوات النظام وحلفائه أضحت كارثية وفقا لمختلف المقاييس والرؤى والتوقعات, والتغطية الجوية الروسية رغم وحشيتها المفرطة وتعرضها للمدنيين ولجوئها لإستعمال الأسلحة المحرمة دوليا, لم تمنع هزيمة جحافل النظام. العمليات العسكرية تحسم في البر, وليس من الجو, وحتى لو تدخل الروس بريا فإن الهزيمة ستفضحهم, فالأرض سورية والمقاتلون سوريون والروس وحلفاؤهم الإيرانيون غرباء و مهزومن لا محالة!
مع سقوط جنرال الحرس الثوري الإيراني حسين همداني في ريف حلب الشمالي تتعزز خسائر التحالف السوري- الإيراني وتضاف أسماء وأرقام جديدة لسجلات ضحايا الحرس الثوري الإيراني في الحرب الكونية المصغرة التي تعيشها سورية, والتي تسير بإتجاه توسيع أطر التورط الإقليمي, وبما هو أبعد من المجال الحيوي السوري.
فخسائر الحرس الثوري من كبار المستشارين الحرسيين والقادة العسكريين الذين قادوا صفحات الحرب ضد العراق, مثل الجنرال فرشاد حسوني زاده, والجنرال حامد مختار بنده وما سيضاف لهم من جثث وخسائر في القريب العاجل وحتى إعلان يوم الهزيمة الإيرانية الكاملة, تشكل معضلة حقيقية لنظام حليف للنظام السوري منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وتقاسم معه حروبه وتحالفاته وتشكيلاته الإستخبارية بل أن الملفات الجامعة لعمل نظامي دمشق وطهران تشكلان ملفا متضخما لأهم أحداث ومنعطفات وتطورات الشرق القديم طيلة العقود الثلاث المنصرمة من عمر المنطقة.
لقد شكلت الحرب السوريةالشرسة تحديا حقيقيا لأنظمة عاشت وترعرعت على الشعارات المرفوعة , وهي شعارات متناقضة, لكنها تعبر عن مصلحية وإنتهازية فظة مثلت حقيقة النظام السياسي الإقليمي! فالنظام السوري مثلا ظل ولعقود طويلة, بدأت منذ أوائل ستينات القرن الماضي, يتغنى بشعارات الوحدة العربية والإشتراكية العلمية و العمل القومي, ثم تلطى لسنوات ومراحل طويلة أيضا خلف شعار الصمود والتصدي والتوازن الستراتيجي! لكن تحالفاته وتصرفاته وعلاقاته وخططه السرية والعلنية لا علاقة لها أبدا بتلكم الشعارات الزاعقة بل أن هويته الفكرية الحقيقية ظهرت حقيقتها في وقوفه العلني و الصريح مع النظام الإيراني خلال مرحلة الحرب مع العراق ( 1980/1988) وناوئ خصمه اللدود النظام البعثي العراقي السابق العداء رغم الهوية العقائدية المشتركة ظاهريا! مما خلق تناقضا لم يفهمه أو يبرره الكثير من المراقبين , فالنظام الإيراني لم يكن أبدا يخفي عدائه للقوميين العرب ولفكرة الوحدة العربية ولكنه في الحالة السورية كان يتعايش وينسق مع النظام القومي السوري! وهي حالة لم تمنع أبدا من تواجد قطاعات الحرس الثوري الإيراني في العمق السوري وفي البقاع اللبنانية أيام الإحتلال السوري للبنان وهم الذين إستطاعوا بناء اللبنات الأولى لتنظيم «حزب الله» اللبناني, وكذلك مارسوا أدوارا مباشرة وصميمية في إدارة عمليات الإرهاب في الشرق و الخليج العربي وضرب المصالح الأميركية والغربية في لبنان والعراق و الكويت و الخليج العربي في منتصف الثمانينات والتي إستمرت بشكل متصاعد حتى عشية الغزو العراقي للكويت عام 1990 وتغيير كل قواعد اللعب والتحالفات والمواقف!, مما جعل من أعداء الأمس حلفاء اليوم!!, ولكنها كانت حالة إضطرارية مؤقتة قامت بسبب فوضوية الغزو ومفاجأته الزلزالية والتي قلبت كل القواعد والتحالفات و اسست لمرحلة طويلة من الفوضى والتداخل في الشرق توجت بالغزو و الإحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وتدشين مرحلة «الفوضى الخلاقة» وحيث إنهارت الدولة العراقية تحت مؤثرات الطائفية والإحتلال و تهشيم القواعد الأخلاقية والمجتمعية ودخول المتناقضات الاقليمية لمرحلة تصفية الحسابات.
اليوم يبدو التحالف السوري- الإيراني القديم أمام حقيقة التفكك والإنهيار بسبب وصول النظام السوري لحالة الإفلاس التام بعد سقوط الستار بالكامل عن «شرعيته الثورية» التي تهاوت تحت ضربات الثورة الشعبية ولجوء النظام لحقيقته القمعية والإرهابية ثم الإنضواء تحت العباءة الطائفية الرثة التي جعلت من أرض الشام الطاهرة محطة للعصابات والعشائر الطائفية القادمة من كهوف وسراديب العراق ولبنان وأفغانستان والتي دخلت البلد تحت عنوان الحفاظ والدفاع عن المواقع الدينية والمذهبية المقدسة, لتتحول لإحتلال طائفي بغيض يمارس مهمة إستئصال وتدمير الشعب السوري بعد أن أضحت الخارطة السورية بأسرها مجالا حيويا وملعبا لها, وها هم جنرالات الحرس الثوري يسقطون في مختلف المواقع السورية من دون تجاهل مئات التوابيت المغلفة بعلم «حزب الله» الأصفر وهي تعبر الحدود نحو ضاحية بيروت الجنوبية!! وأمام إحتمالات التورط البري لقوات النخبة الروسية في العمليات القتالية فإن مصارع الجنرالات تظل إحدى أهم سمات تطور الصراع السوري المفتوحة إحتمالاته المرعبة على مختلف النهايات… شرق يزحف بإمتياز نحو دراما مرعبة للأسف.
كاتب عراقي








