.دراسة تحليلية
تشرين الثاني 2007
المقدمة:
بغداد – واع – سلام الصالحي : يوم 25 تشرين الأول / اكتوبر 2007
أعلنت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تصنيف قوات الحرس للنظام الايراني تنظيماً ارهابياً وفرض عقوبات اقتصادية واسعة ضد هذا الجهاز الرئيسي للقمع التابع للديكتاتورية الدينية الحاكمة في ايران ولهذا، فقد أصبحت المواجهة السياسية والاقتصادية لهذا الكيان الذي يعد العمود الفقري للنظام الايراني قانوناً حكومياً
ملزماً لعشرات الألاف من الشركات التجارية والمؤسسات والأجهزة والدوائر الحكومية وغيرالحكومية.
ان هذا الاجراء وعقب العواصف السياسية والتطورات الخطيرة التي شهدتها هذه المنطقة من العالم على مدى ربع قرن مضى وخاصة أزمات السنوات الخمس الأخيرة، يميط اللثام عن العدو الرئيسي لشعوب المنطقة وخاصة يسلط الضوء على مصدر يشكل عدم الاستقرار والتشتت في العراق كما أنه يعترف بفشل سياسة المساومة مع النظام الفاشي الحاكم باسم الدين الذي جلب للشعب العراقي فجائع كبيرة. ويولد هذا التطور في الوقت نفسه تخندقات واصطفافات جديدة في المعادلات السياسية في المنطقة وخاصة في العراق وينهي الوضع الذي كان فيه عملاء النظام الايراني سيد الموقف وذلك باستغلالهم الصمت الدولي على جرائمهم في العراق. لهذا من الضروري اعتبار هذا التطور منعطفاً سياسياً واستراتيجياً مهماً سيؤثر على جميع المعادلات السياسية.
واذا أدركنا حقيقة أن قوات الحرس لها دور أكبر بكثير من دور عسكري لحماية كيان الفاشية الدينية الحاكمة في ايران وأن الجزء الأعظم من حكومة احمدي نجاد مكون من قادة قوات الحرس وأن هذه المؤسسة هي في الحقيقة امبراطورية اقتصادية وهي التي تمسك ادارة الاحزاب والمجموعات الارهابية التابعة للنظام الايراني في العراق، الى جانب تورطها في الملف النووي الايراني، ستتضح لنا أبعاد الضربة التي تلقاها النظام الايراني من جراء هذا التصنيف.
اصطفاف استراتيجيتين
من المهم جداً اعتبار هذا القرار بأنه حصيلة نضال الشعب الايراني والمقاومة الايرانية والشعب العراقي وكذلك القوى العراقية المناضلة ممن تصدوا لنظام الملالي طيلة ربع قرن ولم يركعوا أمام استراتيجيته الهادفة الى التوسع في المنطقة وبذلك منعوا استسلام المجمتع الدولي أمام عفريت الفاشية الدينية التي تستغل الاسلام والمشاعر والعواطف القومية لابتزاز الاطراف المتعاملة معه وأنداده الدوليين.
فهنا لا يسعنا المجال للتطرق الى قائمة الأعمال والثمن الباهظ الذي تم دفعه لايصال النظام الايراني الى هذه النقطة لكونها طويلة ومدهشة.
فتواجد المقاومة الايرانية على مدى عشرين عاماً بجوار الحدود الايرانية للتصدي لهذه القوة والقيام بسلسلة لأكثر من 80 عملية للكشف وعلى الساحة الدولية حول آسلحة الدمار الشامل للنظام واصرار وتأكيد المقاومة الايرانية وقيادتها وبشكل خاص السيدة مريم رجوي على خطورة تدخلات وجرائم النظام الايراني في العراق بآنها أخطر من خطره النووي رغم ما دفعته المقاومة لذلك، من مضايقات ومؤامرات واسعة ضدها، الى جانب ما تم الكشف عن حوالي 3700 حالة عن تدخلات وجرائم النظام الايراني في العراق طيلة السنوات الأربع الماضية (بدءاً من قائمة 32 ألفاً من مرتزقة النظام في العراق ومروراً بـ 53 مؤسسة للنظام تعمل تحت غطاء مؤسسات انسانية ووصولاً الى قائمة 8331 عراقيًا تم تسجيل أسمائهم في قائمة أهدافه للاغتيال والى 692 من عناصر شبكات الارهاب التابعة لفيلق القدس ووزارة مخابرات النظام الايراني وقائمة 497 من ممثلي الولي الفقيه للنظام الايراني في العراق و53من أصحاب المناصب العليا الذين عينهم النظام الايراني في الحكومة العراقية)، فصمود الشعب العراقي والقوى العراقية رغم تشريد 4 ملايين من المواطنين العراقيين ومقتل قرابة مليون شخص وتحمل شتى صنوف الآعمال البشعة واللاانسانية وعدم الاستسلام أمام الاملاءات السياسية لعملاء النظام الايراني في العراق.
فهل يمكن تصور الوضع الآن، لو لم تكن هذه الاجراءات؟ فليس تجاوزاً ان قلنا ان الفاشية الدينية المسيطرة على معظم أجزاء هذه البقعة من المنطقة لكانت قد فرضت سلطتها على شعبنا لحقبة من التأريخ.
تغيير سياسي واستراتيجي ونتائجه في العراق
اقرار الولايات المتحدة الأمريكية بدور وأداء مؤسسات نظام الملالي المختصة بالقمع والقتل، ولو جاء متأخراً للغاية، الا أنه يعد منعطفاً سياسياً واستراتيجياً في ابتعاد الولايات المتحدة الامريكية عن النظام الفاشي الحاكم باسم الدين في ايران ورسم الحدود معه وبتداعيات أشمل بالمقارنة مع قرارات مجلس الأمن الدولي حيث يتبادر الى الذهن على سبيل المثال «بيرل هاربوراً»[1] سياسياً في تغيير النهج الأمريكي في الحرب العالمية الثانية أمام الفاشية الهتلرية.
ذلك التغيير الذي ستظهر آثاره في العراق قبل أي مكان آخر وذلك للدور الذي تلعبه قوات الحرس في العراق لكونها هي وفيلق القدس هما المسؤولان عن تطبيق أجندة حكام ايران في العراق وانهما لم يتورعا طيلة السنوات الأخيرة وبشكل خاص خلال السنوات الخمس الأخيرة عن ارتكاب أي جرم وأعمال بشعة بحق الشعب العراقي بحيث ينبغي القول ان التنظيمات والمجموعات الارهابية العاملة في العراق بصرف النظر عن اعتقاداتها وحتى المسميات التي اختيرت لها ما هي الا حصيلة أجندات ومؤامرات فيلق القدس لقوات الحرس الايراني في العراق. فالتوغل في أعلى مناصب في المؤسسات الحكومية العراقية والسيطرة على الأجهزة الأمنية والسياسية والنفوذ في البرلمان واحتواء الاحزاب التابعة للنظام الايراني هي حصيلة العمل الرئيسي لفيلق القدس الايراني في العراق. وليس من الصدفة أن يكون سفير النظام الايراني في العراق ضابطاً معروفاً في فيلق القدس حسب اعتراف قائد في القوات متعدده الجنسية وأن القنصليات الايرانية في مختلف المدن العراقية تعمل بمثابة فروع ومقرات لفيلق القدس. لذلك فان أي تغيير في العراق وانهاء معاناة وعذاب الشعب العراقي مرهون باقتلاع قوة القدس وعملائه في العراق على ضوء هذه التسمية التي وفرت الارضية السياسية والدولية له.
الحقيقة أن الشعب العراقي دفع ثمن المساومة مع النظام الايراني بتحمله أقسى العذابات طيله السنوات الأخيرة بحيث ينبغي القول ان بسط سلطة عملاء النظام الايراني في العراق ما هو الا حصيلة هذه السياسة. الا أن هذه الضربة التي تلقاها النظام الايراني تنم عن نهاية حازمة لعهد المساومة واسترضاء النظام الايراني في العراق وبدء مرحلة تغيير السياسة كما ينم عن رفع الحواحز السياسية التي كانت تعرقل تحقيق نجاح القوى السياسية والوطنية العراقية. واذا أردنا أن نشخص أهم صفة في مرحله المساومة فنقول انها تتجلى في تسلط عملاء النظام الايراني في العراق وقمع القوى الوطنية من قبلها، وحالياً يجب وصف المرحلة الجديدة بأنها عهد تسلط القوى الوطنية وقطع أذرع النظام الايراني وعملائه في العراق. مما يتطلب ازالة الحواجز التي تقف أمام وحدة وتحالف القوى الديمقراطية والوطنية لكون الوقت قد حان لتستشعر القوى الوطنية العراقية موقعها ومكانتها السياسية لتقديم بديلها الوطني لحل محل البديل التابع للنظام الايراني.
الآفاق المستقبلية لهذا المنعطف على لسان قائد المقاومة الايرانية
في رسالة الى الشعب الايراني أكد قائد المقاومة الايرانية السيد مسعود رجوي حول هذا الموضوع قائلا: فهذه الضربة تنم عن نهاية حتمية لمرحلة المساومات والاسترضاء والتي أطالت عمر نظام الملالي الى حد كبير وبدء مرحلة تغيير السياسة.
سياسة الاحتواء وتغيير سلوك النظام هي الأخرى باءت بالفشل فتوفرت الآن القاعدة الضرورية لانتهاج سياسة تغيير النظام اللاانساني العائد الى عصور الظلام والتخلف ومن شأنها أن تنتهي لا محالة عند بلوغها الى رفع الحواجز والعراقيل عن مقاومة الشعب الايراني والى الحل الثالث شاؤوا آم أبوا. تلك الحواجز التي اقاموها متعمدين لـ «ضمان الأمن» و «ابداء حسن النية» وللحيلولة دون سقوط الاستبداد الديني.
قلنا ونكرر مرة أخرى هنا أن التغيير واسقاط الفاشية الدينية لن يكتب لحساب أحد في المستقبل مثلما في الماضي إلا الشعب الايراني والمقاومة الايرانية. وان هذه المعادلة لا يغيرها شيء حتى وقوع حرب وقصف جوي يستهدف مقرات الحرس والمواقع النووية للنظام. بمعنى أن اسقاط النظام والتغيير الديمقراطي في ايران أيا ما كان الأمر يتحملها الشعب حصراً والمقاومة الايرانية استيعاباً وكفاءة واقتداراً. فيكفي رفع القيود والحظر عن المقاومة والتي فرضت بطلب من الملالي.
ونؤكد في الوقت نفسه أن القضية اليوم لا تزال هي سياسة تغيير النظام وتحقيقه ولا شيئ آخر. هناك البعض ممن يظنون بسذاجة أن الخطر الذي يهدد المجتمع الدولي هو «الحرب» مع النظام. ولكن حسب التجارب المكثفة لثلاثة عقود فاننا نرى وبحزم أن الخطر الحقيقي فيما يتعلق بهذا النظام هو «لا حرب». أي القلق الرئيسي ينجم دوماً عن المصالحة والمساومة مع نظام قدر له الحرب وسيفرضها يوماً ما على المجتمع الدولي. ذلك النظام الداعي للحرب الذي يهيء ويعد أسباب وأدوات الحرب بلا هوادة، لكونه يرى بقاء كيانه في «التوسع» والحرب وافتعال الأزمات ونيل السلاح النووي. ومن هذه الناحية فالنظام الفاشي الحاكم باسم الدين في ايران أصبح يزايد على الفاشية الهتلرية. فقادت المصالحة والمساومة مع الفاشية الهتلرية الى الحرب العالمية الثانية. على أمل أن يُمنع وقوع حرب عالمية ثالثة حسبما وصفه الرئيس الأمريكي وذلك بالاعتراف بالحقوق الثابتة للشعب الايراني والمقاومة الايرانية.
الخيارات أمام النظام:
فأمام نظام الملالي المتهريء خياران فقط:
إمّا التراجع وتجرع كؤوس السم المتلاحقة واحدة تلو أخرى حتى يزول في نهاية المطاف حاجز الكبت التي خلقته ديكتاتوريته المتشابكة مع تدخلاتها الارهابية في العراق وملفها النووي مما يحدو بها في نهاية المطاف الى مواجهة انتفاضات جماهيرية.
وإمّا التقدم الى الأمام والمغامرات وذلك بالانكماش والمزيد من الأعمال العسكرية حتى تتحمل ضرباتها وتداعياتها الأخرى.
تلاحظون أن النظام الايراني وصل الى طريق مسدود استراتيجياً وانه على وشك السقوط أيا كان حاله وأن عملاءه في العراق سيتركون بلا مساند.
وهنا يمكن فهم محاولات هذا النظام خلال السنوات الأخيرة وتهوراته للتخلص من مواجهته الطريق المسدود بين الوجود واللاوجود ومن خلال عرض العضلات المزيفة ليظهر نفسه القوة المقتدرة في المنطقة على عكس واقعه الذي هو نظام متهرئ ومنخور من الداخل، لذلك فلا خيار أمامه سوى التصفيات وعمليات الجراحية في صفوف قادته.
وأما على الساحة العراقية فانه قد راهن على الجرائم التي يرتكبها في العراق وظن بأن أمريكا لا يمكن لها أن تفتح جبهة جديدة عليه بعد العراق على ضوء تجريد مجاهدي خلق من الاسلحة، فسعى الى كسب تنازلات من الجانب الأمريكي، متناسياً أن المقاومة الايرانية أوصلته الى هذا الطريق المسدود استراتيجياً رغم جميع الأحوال وانها ستصفي حساباتها معه في طهران في نهاية المطاف.
استنتاجات من المنعطف والتطور الحالي في العراق
فيما يلي بعض النتائج السياسية والعملية التي ركز عليها المتتبعون والمحللون والحقوقيون أو انعكست في وسائل الاعلام العالمية ويتعين على القوى السياسية أن يطلع عليها:
يحاول النظام الايراني بعد تلقيه هذه الضربة الاستراتيجية القاضية أن يظهر باللجوء الى المغالطات بأن هذه الضربة اجراء أمريكي من جانب واحد جاء جراء خلافات أمريكا معه ويريد بذلك التقليل من أهمية هذا الحادث التاريخي السياسي. ان هذه المحاوله المتسمة بالدجل يجب أن لاتنطلي على أحد لكون ما حدث على أرض الواقع فهو مهم ويصب في صالح شعوب المنطقة، بل انها حصيلة نضالهم وجهودهم وصمودهم جميعاً على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية.
التدخل في الانتخابات العراقية والتأثير عليها هو أهم مهمة نفذها فيلق القدس التابع لقوات الحرس الايراني في العراق وبفعل هذا التأثير وكذلك من خلال استغلال سياسة المساومة التي ينتهجها الغرب تجاهه أوصل عملاؤه الى مساند الحكم في العراق (واشنطن بوست 30 آب 2007) والآن هذا الواقع يتطلب وضع شعار اعادة الانتخابات واعلان عدم مشروعية الانتخابات السابقة في جدول الأعمال.
كما لا يجوز بعد الآن تبعية المؤسسات العليا في الحكومة العراقية لفيلق القدس بل يجب تطهير هذه المؤسسات من التابعين لفيلق القدس كشرط لمشروعيتها.
تمكن فيلق القدس وعملاؤه في العراق ومن خلال قمع المعارضين واضعافهم من الحيلولة دون تشكيل بديل وطني مقابل البديل التابع لهم. على ضوء هذا التطور المهم يصبح توحيد الآراء واتحاد القوى العراقية للتصدي للبديل التابع لفيلق القدس واجباً وطنياً ملحاً.
النظام الايراني وعملاؤه عملوا ما عملوا خلال السنوات الماضية من مخططات ومحاولات لتصفية واسقاط منافسيهم وذلك باستغلال سياسة المساومة الدولية مع النظام الايراني واطلاق تهمة الارهاب ضدهم. والآن حان موعد محاسبة هؤلاء والكشف عن تبعيتهم لفيلق القدس.
وتحديداً بما ان تواجد أعضاء فيلق القدس الايراني تحت قبة مجلس النواب العراقي يلوث البرلمان ويضع علامة استفهام كبيرة في أذهان العراقيين والاوساط الدولية، فمن الضروري أن يقدم البرلمانيون الوطنيون الشرفاء من الشيعة والكرد والتركمان والسنة والمسيحيين والعلمانيين واللبراليين والديمقراطيين على الكشف عن عناصر فيلق القدس في مجلس النواب وطردهم من تحت قبته.
• كما يجب تطهير الاجهزة العسكرية والأمنية (في عموم البلاد والمحافظات) من العناصر التابعة لفيلق القدس والاحزاب الموالية له والمتقاضين رواتبهم من ايران وذلك تحت اشراف دولي.
——————————————————————————–
[ 1 ] بيرل هاربور هو الميناء الأمريكي في جزر هاوايي والذي تعرض للحملة التي شنتها اليابان عليها مما أدى إلى اندلاع نيران الحرب العالمية الثانية








