المستقبل العربي – سعاد عزيز: منذ عام 2003، وبعد الاحتلال الامريکي للعراق و سقوط النظام العراقي السابق، صار العراق کله ساحة مستباحة أمام نفوذ النظام الايراني، وصار الحديث عن هذا النفوذ في هذا البلد من المسلمات و البديهيات التي لاتحتاج الى نقاش او برهان.
حاول النظام الايراني و منذ بدايات سقوط النظام السابق إستغلال الفلتان الامني الحاصل من جراء ذلك وإقتياد سکان أشرف الى داخل إيران في عشرات الحافلات التي أرسلها فارغة عبر حدود المنذرية الى داخل العراق لکنه و بعد أن جوبه بمقاومة عنيفة جدا من جانبهم فإنه قام بإرجاع الاعداد الکبيرة من قتلى قواته في داخل نفس الحافلات الى إيران، وبعد أن أدرك انه من المستحيل القضاء عليهم و إقتيادهم بهذه الطريقة فإنه غير من اسلوبه و نهجه و عمد الى إتباع طريقة غير مباشرة للقضاء عليهم و إغلاق معسکرهم و ملفهم عبر جعل الصراع محصورا بين العراق و سکان أشرف، وقد تم إختيار نوري المالکي لکي يکون عراب تنفيذ هذا السيناريو الخبيث الذي وضعه النظام الايراني.
معسکر أشرف الذي تعرض لخمسة هجمات دموية من جانب القوات العراقية بنائا على مطالب و أوامر من جانب النظام الايراني، وفي کل مرة کانت حکومة نوري المالکي تعد بإجراء تحقيق حول الهجوم لکنها و بعد مرور فترة على الهجوم و عودة الهدوء النسبي، کانت تبادر الى تنفيذ مخطط آخر للنظام عبر القيام بهجوم آخر ضد السکان العزل الذين هم لاجئون سياسيون محميون بموجب القوانين الدولية، ومن جديد تعود الى إعطاء وعد بإجراء تحقيق حول الهجوم وهکذا دواليك حتى إختتمتها بهجوم الاول من أيلول/سبتمبر الذي کان الاعنف و الاکثر وحشية ولأنه جوبه برفض دولي شديد اللهجة فإن حکومة نوري المالکي التي إعترفت عبر تصريحين رسميين صادرين من قبل ناطق أمين الناطق بإسم وزارة حقوق الانسان و الناطق بإسم رئاسة الوزارة العراقية علي الموسوي، بدورها في شن ذلك الهجوم و بتواجد المختطفين السبعة في قبضتها(لأنهم عارضوا دخول القوات العراقية الى داخل المعسکر أشرف و وقفوا بوجهها)، إضطرت مجبرة و بعد”خراب البصرة”، أن تعيد النظر في مواقفها السابقة و تصدر نفيا لأي مشارکة لها بذلك الهجوم!
هذا النفي الذي جاء متأخرا، بعد أن تم توثيق معلومات حساسة و خطيرة عن ذلك الهجوم من جانب الامم المتحدة و الولايات المتحدة الامريکية، يعتبر محاولة مفضوحة الى أبعد حد للتهرب من المسؤولية و الخلاص من أية تبعات او مسؤوليات قد تواجهها الحکومة بسبب ذلك.
ممثل اليونامي عندما زار معسکر أشرف و شاهد بأم عينيه آثار المجزرة الانسانية المروعة و بعد أن إلتقى بالناجين الذي إنتقلوا الى مخيم ليبرتي، فقد طلب الامين العام للأمم المتحدة من رئيس الوزراء العراقي بإجراء تحقيق فوري في تلك الجريمة، وأوعز المالکي على أثر ذلك بتشکيل لجنة قامت بالتحقيق في القضية، و الغريب أن هذه اللجنة و بعد التي و اللتيا و بعد أن إستنفذت کافة جهودها، فقد خرج حيدر العکيلي، عضو هذه اللجنة على العالم بنتائج تحقيقاتها”الدقيقة جدا”، حيث أعلن الموما إليه بأن” الشيء الرئيسي الذي كشفت عنه التحقيقات إلى الآن هو عدم ضلوع قوات الأمن العراقية في الهجوم وإن جماعة مسلحة غير معروفة هي المسؤولة عنه.”، أما عن الرهائن السبعة المختطفين من سکان أشرف، فإنه أکد بأن صورهم قد تم توزيعها” على المطارات ونقاط التفتيش ولم تتلق السلطات أي أنباء تخصهم.”، وبخصوص التفسيرات و التحليلات و الاستنتاجات و الاحتمالات التي إعتمدتها اللجنة بشأن أسباب الهجوم فقد کانت الکارثة و الطامة الکبرى في هذه النقطة تحديدا، إذ وکما قال العکيلي فإن اللجنة تطرح إحتمال وجود نزاع داخل المخيم وان بعض المهاجمين جاءوا من داخله وملمحا الى” إن من بين الاحتمالات الأخرى أن المفقودين السبعة هم المسؤولون عن الهجوم.”!!!!
بحکم کوني من المختصات بالشأنين العراقي و الايراني و المهتمات بقضية سکان أشرف و ليبرتي، فإنني کنت على علم و بينة و إطلاع بتلك المعلومات التي اوردتها المقاومة الايرانية في اواسط شهر آب/أغسطس الماضي بشأن إصدار مرشد النظام خامنئي أوامره لشن هجوم على معسکر أشرف و أحال ذلك الى قاسم سليماني قائد قوة القدس، الذي زار بدوره العراق في اواخر نفس الشهر و إلتقى بالمالکي بشکل خاص و بحث معه القضية بشکل مفصل، ولذلك و عند حدوث الهجوم الدموي في الاول من أيلول/سبتمبر الماضي، لم أستغرب ذلك وانما کنت أتوقعه تماما و أضع يدي على قلبي داعية من الباري القدير أن يحفظ اولئك الابرياء العزل المکافحون من أجل الحرية و الديمقراطية لشعبهم من شرور و مخاطر هذا الهجوم، وعندما رأيت النتائج المفجعة صعقت کثيرا، لکن صعقتي الکبرى کانت عندما وجدت الامين العام للأمم المتحدة بان کي مون يطلب من رئيس الوزراء العراقي(عراب قتل و إبادة سکان أشرف و ليبرتي)إجراء تحقيق حول الهجوم و يبادر الاخير الى تشکيل لجنة خاصة تقوم بإصدار نتائج تحقيقاتها بالشکل الذي أدرجنا قسما منها آنفا، فقد فهمت تماما لماذا لايترك الدکتور طاهر بومدرا”کبير موظفي الامم المتحدة السابق في العراق” مناسبة إلا و يقوم خلالها بشن هجوم عنيف على دور الامم المتحدة في العراق و إتهامها بالتواطؤ مع السلطات العراقية و النظام الايراني، حيث أن الصورة قد صارت أمامي واضحة تماما بعد طلب بان کي مون من الجلاد أن يقوم بتشکيل لجنة للتحقيق بشأن ضحاياه!
النتائج المذهلة التي أعلنتها تلك اللجنة و التي تثير ليس السخرية فقط وانما أبعد من ذلك بکثير، خصوصا عندما تصل الى حد إتهام الضحية بقتل و إبادة نفسها و تبرئة الجلاد و القاتل من تبعات الجريمة، فإنها بحق لجنة فريدة من نوعها عبر التأريخ و تستحق دخول کتاب غينس للأرقام القياسية بشأن نتائجها الغريبة و غير المنطقية و نرشحها لتکون أول لجنة من نوعها تدخل هذا الکتاب!








