إذا نظرنا الى منطقة الشرق الاوسط، والى الدول العربية والاسلامية أجمع، نرى أن شعوب هذه الدول تعاني من مختلف المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن منطلق مسؤول يجب البحث عن حلول لجميع هذه المشاكل. ولا شك أن مختلف الهيئات الدولية والإسلامية والعربية، من الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، تناقش هذه المشاكل وتبحث عن حلول لها. كما نرى أن بعض الدول العربية تبدي حرصا كبيرا على وضع حد للامية والفقر والجوع.
وليس بعيداً عن هذه المشاكل، هناك مشكلة حلّت ببلادنا منذ زمن قديم، واستفحلت منذ ثلاثة عقود وتكاد الان ان تتحول الي كارثة. وتتمثل هذه المشكلة في التطرف الديني والانظمة المتخلفة التي أمسكت بزمام القيادة في البلدان العربية والاسلامية وبدأت بالتفريخ في الدول الاخرى.
والمقصود بالتطرف الديني ليس العقيدة والايمان بالمبادئ والأسس الدينية، بل استغلال الدين من قبل من يتستر بالدين لاغراض سلطوية ومن اجل الوصول الى مصالح سياسية.
ويكفى أن نلقي نظرة على العراق وحجم المأساة التي يعاني منها الشعب العراقي الشقيق، أو نلقي نظرة على اليمن التي بدأ فيها الحديث عن نزوح عشرات الآلاف من المواطنين بسبب المعارك التي تدور بين المتمردين الحوثيين وقوات الجيش اليمني، أو نلقي نظرة عابرة على لبنان والحالة الهشة التي يعيشها هذا البلد العزيز على جميع العرب
. وليست هناك حاجة لكثير من التفكير في ما يحدث بفلسطين التي كانت قضيتها القضية المحورية لجميع المسلمين، وبفعل هذه الظاهرة بدأ ابناء الشعب الفلسطيني يتقاتلون في ما بينهم.
وبالنسبة لي، كما الآخرين من ابناء جلدتي، يمكننا ان نفكر ملياً بما حدث في الجزائر بلد المليون شهيد والجرح الغائر الذي أصيب به بسبب هذا المرض. ولا يزال المرض كالجمر تحت الرماد، بدءا من المغرب التي وصلها الداء المعدي في الفترة الاخيرة، ومرورا بأفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى وإندويسيا.
وتبرز هنا اسئلة أساسية، فهل هذا هوالمصير المحتوم لشعوبنا؟.. ومن اين جاءت هذه الظاهرة؟.. و هل هناك طريق للحل؟
بكل تواضع أريد ان ارد على هذه الاسئلة الثلاثة. لأنني كنت مصراً على تطبيق مبدأ الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة في بلدي الجزائر، لكن هذه الظاهرة الخطرة هي التي حالت دون التقدم بهذا الاتجاه.
أولا أعتقد ان للشعوب العربية والإسلامية حقها حق مثلما هو الحال للشعوب الأخرى في مجال التقدم و اللحاق بركب التحضر والعلم والحداثة. لأن هذه الشعوب هي التي قدمت للعالم مشاعل العلم والمعرفة حيث ادى هذا التفاعل الى انهاء القرون الوسطى، كما أن لدينا ما فيه الكفاية من المصادرالاقتصادية والإنسانية والمعدنية والطبيعية التي تساعدنا في الدخول الى عالم العلم والتقدم التكنولوجي من أوسع أبوابه.
ثانيا أعتقد أن هذه الظاهرة التي احاطت بنا من كل جانب كانت دفينة في ثقافتنا ورؤيتنا للدين، لكن لم تكن هذه الظاهرة تمثل حتي نهايات العقد السابع من القرن الماضي خطراً حقيقياً على الديمقراطية والحرية، لأنها كانت متقوقعة في انعزاليتها، وفي معظم الاحيان لا يتجاوز حجمها حزباً سياسياً صغيراً غير مؤثر او شخصية واحدة ذات نفوذ.
ولكن عندما استطاعت الظاهرة ان تقفز الى سدة الحكم في ايران اصبحت خطراً حقيقيا واقعاً على جميع الدول العربية والاسلامية، بل على العالم اجمع.
فالنظام الذي خرج من تخوم الثورة الشعبية الايرانية ضد الشاه وضد القيم الغربية المفروضة على البلاد، استخدم كل الطاقات المتفجرة في الثورة لتحقيق اهدافه في تصدير ما يسمي بالثورة الاسلامية الى الدول العربية والاسلامية. ولا شك ان اول الدول المرشحة لذلك كان العراق لاسباب جغرافية وتاريخية وديمغرافية ودينية واضحة.
وبذلك بدأ الداء من ايران الجديدة التي تقمصت الثورة الاسلامية، ورغم ان البلد كان مهد الحضارة والعلم والفكر الرائد بفعل وجود شخصيات تاريخية ذات اثر كبير في جميع الدول الاسلامية كالدكتور محمد مصدق، وحركات تقدمية شعبية كحركة مجاهدي خلق، استطاع ابناء قم والملالي احتكار السلطة بفعل الشرعية الثورية التي امتزجت بالشرعية الدينية. فحصل ما حصل من القمع وتكميم افواه المثقفين والتقدميين وإعدام عشرات الآلاف من الذين كانوا رواد الثورة الشعبية.
ثالثا، اقول ان الدواء ايضاً يجب ان يأتي من ايران… لماذا؟ لأنني ارى ان كل التقييمات العلمية تقول ان البلد الوحيد في العالم العربي والاسلامي الذي تجاوز شعبه مرحلة التطرف الديني هو بالتأكيد ايران والشعب الايراني. لماذا؟ لسبب واضح: لأن التطرف الديني بأشد صوره في الحكم والسلطة وادارة الدولة طيلة قرابة ثلاثة عقود، ولأن هذا الشعب هو الذي ابتلي بهذا الداء قبل الآخرين. ولأنه ذاق الأمرين من استغلال الدين في اعتى اشكال الاستغلال، ومن الخلط بين الدين والسياسة. فالرجل الذي عاد الى ايران ليكون حاكماً متسلطاً على جميع مناحي الحياة الفردية والاجتماعية للشعب الايراني كان يدعي بأنه نائب امام الزمان وكان يدعي بأنه آية الله، وكان على مشارف العقد الثامن من عمره، مما يعني ان المفروض منه البعد كل البعد عن السلطة وعن الجاه. وبما ان الشعب الايراني جرب هذه الظاهرة في اكبر مثال ونموذج، يعني ذلك من بين ما يعنيه انه لم يعد يقبل بالنظام الديني الاستبدادي. وعدم قبول الشعب الايراني بهذه الظاهرة يمكن تلمسه في الحركات الاحتجاجية التي تعم البلاد هذه الايام، كما يمكن متابعته من خلال الاستطلاعات التي يجريها النظام نفسه والتي تقول ان اقل من خمسةة في المائة من ابناء الشعب تؤيد هذا النظام. كما يمكن مشاهدته في بقاء ومثابرة المقاومة ضد هذا النظام.
وبهذا المعنى لدى الشعب الايراني امكانية التخلص من هذا النظام ومن هذه الظاهرة، ليصبح الشعب المقدام في طليعة الشعوب الاسلامية التي تنهى هذه الظاهرة في عقر دارها.
ويمكنني ان اؤكد علي هذا الواقع من منظار آخر، فأنا أعتقد أن حل مشاكل الدول العربية والاسلامية هو في إرساء اسس الديمقراطية في هذه الدول، وإرساء مبادئ الديمقراطية لا يمكن ان يتحقق الا من خلال القوى الديمقراطية في هذه الدول.
وفي الوقت الحالي هناك بلد وحيد في العالم العربي والاسلامي يتمتع بقوة ديمقراطية متجذرة في شعبها وهو ايران وحركة المقاومة الايرانية المتمثلة بشكل خاص في منظمة مجاهدي خلق.
واذا كانت القوى الديمقراطية في الدول العربية والاسلامية المحبة لهذه المبادئ تريد تأصيل هذه الفكرة في شعوبها وبلادها فعليها القيام بتأييد حركة المقاومة الايرانية.
لا شك أن حركة المقاومة الايرانية مستهدفة من قبل الدول التي تبحث عن مصالحها في بقاء النظام الايراني الحالي؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر الدول الأوروبية التي وضعت هذه الحركة في قائمة الارهاب استرضاء للنظام الايراني، فلجأت المقاومة الايرانية الى محكمة العدل الأوروبية ورفعت شكوى بهذا الشأن، والمحكمة وبعد خمس سنوات من المداولة والإمعان في الموضوع والنظر المعمق في القضية، حكمت في نهاية المطاف لصالح منظمة مجاهدي خلق الايرانية وضد الاتحاد الأوروبي وأمرت بالغاء إدراجها ضمن هذه القائمة وأعلنت أن هذه القائمة بالنسبة لمجاهدي خلق وكأنها لم تكن منذ البداية.
ومع ان محكمة العدل الاوروبية حكمت بالغاء قائمة الارهاب في ما يتعلق بمجاهدي خلق، ترى ان بعض هذه الدول والاتحاد الاوروبي تتمادى في إبقاء هذه الحركة في قائمة الارهاب والالتفاف على حكم المحكمة.
واستنكرت المقاومة الايرانية وحوالي الف من اعضاء البرلمانات في الدول الاوروبية الموقف الاوروبي لأنهم يرون ان موقف الاتحاد الاوروبي للتملص من حكم المحكمة أولاً يتنافى مع دولة القانون، المبدأ الذي بني عليه الاتحاد الاوروبي، وثانياً يتنافى مع الموقف الرسمي الاوروبي بمعارضة النظام الايراني وشذوذه عن القوانين الدولية، لأن الاوروبيين من جهة يعارضون مواقف النظام الايراني في القضية النووية وانتهاكاته لحقوق الانسان، وتصديره الارهاب الي الدول الاخرى، لكنهم في الوقت نفسه يعملون من اجل اضعاف المعارضة الايرانية التي تعتبر الجهة الوحيدة التي من شأنها الوقوف في وجه النظام. كما ان هذه المقاومة هي التي حذّرت العالم من واقع البرنامج النووي الايراني.
ويعني ذلك ان حركة المقاومة الايرانية بحاجة الى الدعم والتأييد، لأنه لا سند لها سوى شعبها المغلوب على امره والخيرين من الشخصيات السياسية ومحبي السلام والديمقراطية في العالم. ويجب ان نقوم نحن بإفهام الأوروبيين انهم اذا لم يعملوا على تعزيز هذه الحركة عليهم الامتناع عن الممارسات التي من شأنها اضعافها.
وأرى ان على المثقفين والمتحررين والديمقراطيين في الدول العربية والاسلامية المبادرة لتأييد هذه المقاومة ومساندتها انطلاقاً من حاجتهم الى هذا النموذج الفريد في نوعه بعصرنا هذا.
* رئيس وزراء الجزائر الأسبق








