مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارالمشانق في إيران.. سلطة تخشى انتفاضة شعبها وتواجه الغضب بمزيد من القمع

المشانق في إيران.. سلطة تخشى انتفاضة شعبها وتواجه الغضب بمزيد من القمع

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، ولا سيما الارتفاع المقلق في تنفيذ أحكام الإعدام، مجرد انعكاس للطبيعة القمعية لمنظومة الحكم، بل أصبح مؤشرا بالغ الدلالة على حجم الخوف الذي يستبد بأركانها من احتمالات تجدد الاحتجاجات الشعبية واتساعها لتتحول إلى انتفاضة وطنية تهدد وجودها. فحين تلجأ سلطة سياسية إلى المشانق بوتيرة متسارعة، وتحول القضاء إلى أداة لتصفية الحسابات مع المعارضين والمحتجين، فإن ذلك لا يعكس الثقة بالقدرة على إدارة المجتمع، بقدر ما يكشف عن أزمة عميقة في الشرعية والقبول الشعبي.
وتقدم التطورات الأخيرة صورة مروعة عن هذه السياسة. فقد أدانت منظمة العفو الدولية إعدام الشابين أمير حسين إبراهيمي وأمير حسين ملكي، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، على خلفية مشاركتهما في احتجاجات يناير 2026 بمدينة أصفهان. وأكدت المنظمة أن الأحكام صدرت عقب محاكمات افتقرت إلى أبسط معايير العدالة، واستندت إلى اعترافات قسرية انتزعت تحت التعذيب، في انتهاك صارخ للحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة.
والأكثر خطورة أن هذين الإعدامين يأتيان ضمن ما يعرف بملف “ساحة عليخاني”، الذي شهد، وفق توثيق منظمة العفو الدولية، إعدام تسعة شبان بين يوليو ونوفمبر من العام الجاري، فيما لا يزال ستة معتقلين آخرين يواجهون خطر تنفيذ أحكام الإعدام بعد مصادقة المحكمة العليا عليها. كما وثقت المنظمة تنفيذ أحكام الإعدام بحق ما لا يقل عن 36 شخصا على صلة باحتجاجات يناير. وهذه الأرقام، بصرف النظر عن دلالاتها الإحصائية، تكشف عن نهج يتجاوز العقوبة الفردية إلى ممارسة انتقام جماعي من الذين شاركوا في التعبير عن رفضهم لسياسات السلطة.
ولا تقف الصورة عند حدود أصفهان أو المعتقلين المرتبطين بالاحتجاجات. فقد أوردت صحيفة “واشنطن تايمز”، استنادا إلى بيانات المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وتقارير حقوقية، أن السلطات نفذت أحكام الإعدام بحق 32 شخصا خلال أقل من أسبوع في أواخر أكتوبر، بينهم 15 سجينا في يوم واحد. وإذا أضيفت إلى ذلك التقارير المتعلقة بإعدام شقيقين لسجين سياسي سبق أن أعدمته السلطات، تتضح أبعاد سياسة لا تكتفي باستهداف المعارضين، بل تمتد آثارها الانتقامية إلى عائلاتهم ودوائرهم الاجتماعية.
إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن في العدد المتزايد للإعدامات وحده، وإنما في طبيعة المنظومة القضائية والأمنية التي تنتجها. فالمحاكمات غير العادلة، والتعذيب في مراكز الاحتجاز، وانتزاع الاعترافات بالقوة، وحرمان المتهمين من الدفاع القانوني المستقل، كلها مؤشرات على تراجع خطير لمفهوم العدالة وتحول المؤسسات التي يفترض أن تحمي حقوق المواطنين إلى أدوات لترسيخ الخوف وإدامة السيطرة. وبذلك لا يصبح السجين متهما أمام القضاء بقدر ما يتحول إلى رسالة تهديد موجهة إلى المجتمع بأسره.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا هذا التصعيد في استخدام الإعدامات في هذه المرحلة تحديدا؟
إن الإجابة ترتبط إلى حد كبير بالمخاوف المتزايدة داخل النظام من عودة الاحتجاجات الشعبية بصورة أوسع وأكثر تنظيما. فانتفاضة يناير لم تكن حدثا معزولا عن التراكمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد، بل جاءت في سياق طويل من الغضب الشعبي إزاء الفقر والتضخم والفساد والتمييز والقمع وغياب الحريات. وتدرك السلطة أن هذه الأسباب لم تختف، وأن الظروف التي أنتجت الاحتجاجات ما زالت قائمة، بل إن تفاقم الأزمات المعيشية قد يضيف إليها شرائح اجتماعية جديدة.
وتعزز الاحتجاجات المتزامنة هذا الاحتمال. فالتظاهرات التي شهدتها عشر مدن على الأقل بمشاركة المتقاعدين، احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف العلاج والأدوية وتراجع القدرة الشرائية، تكشف أن حالة الاستياء لا تقتصر على فئة سياسية أو اجتماعية بعينها. كما أن استمرار حملة “ثلاثاء لا للإعدام” والإضرابات عن الطعام داخل السجون يحمل دلالة سياسية مهمة، تتمثل في أن القمع لم ينجح في إسكات أصوات المحتجين، وأن السجون نفسها تحولت إلى ساحات للمقاومة المدنية والاحتجاج على انتهاكات السلطة.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين تصاعد الإعدامات والخوف من انتفاضة عامة. فالنظام لا يستهدف المعتقلين وحدهم، وإنما يسعى من خلال تنفيذ الأحكام العلنية أو المتداولة على نطاق واسع إلى بث رسالة ترهيب لكل من يفكر في النزول إلى الشارع. إنه يحاول استباق الاحتجاجات المحتملة بتكثيف العقوبات، وخلق مناخ من الرعب يجعل كلفة الاعتراض باهظة إلى الحد الذي يدفع المواطنين إلى الصمت.
غير أن سياسة الترهيب تحمل في داخلها تناقضا جوهريا؛ فهي قد تفرض الصمت مؤقتا، لكنها لا تعالج أسباب الغضب ولا تعيد بناء الثقة بين المجتمع والسلطة. بل إن مشاهد الإعدامات والمحاكمات الجائرة يمكن أن تتحول إلى عوامل إضافية لتأجيج السخط، وتوسيع دائرة التعاطف مع الضحايا، وتعميق القناعة بأن المشكلة لم تعد مرتبطة بسياسة حكومية محددة، وإنما بطبيعة منظومة الحكم ذاتها.
إن السلطة التي تحتاج إلى المشانق لحماية استقرارها تعترف، بصورة غير مباشرة، بأن أدوات الإقناع والقبول الشعبي قد تراجعت إلى حد خطير. ولذلك فإن ما يجري في إيران ليس مجرد تصعيد أمني أو قضائي، بل تعبير عن أزمة سياسية واجتماعية وحقوقية متشابكة، تتقاطع فيها مخاوف السلطة من الشارع مع إصرار قطاعات من المجتمع على المطالبة بالحرية والعدالة والكرامة.
وأمام هذا الواقع، لا ينبغي أن تقتصر مسؤولية المجتمع الدولي على إصدار بيانات الإدانة، بل يتعين الانتقال إلى تحرك عملي لحماية السجناء المهددين بالإعدام، والمطالبة بوقف فوري لتنفيذ الأحكام، والتحقيق المستقل في ادعاءات التعذيب والمحاكمات الجائرة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وفق آليات القانون الدولي.
فالإعدامات لن تمنح النظام شرعية يفتقدها، والمشانق لن تعالج أزمات الاقتصاد والمجتمع، كما أن إخضاع الناس بالخوف لا يمكن أن يكون أساسا دائما لاستقرار أي دولة. وما تكشفه التطورات الإيرانية اليوم هو أن اتساع القمع لا يعني بالضرورة قوة السلطة، بل قد يكون التعبير الأوضح عن خوفها من مجتمع لم تعد أدوات الترهيب قادرة على ضمان صمته إلى الأبد.