مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارالنظام الايراني في مواجهة الجيل الجديد.. عسكرة المدارس خوفا من انتفاضة تطيح...

النظام الايراني في مواجهة الجيل الجديد.. عسكرة المدارس خوفا من انتفاضة تطيح بالنظام

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لا تبدو محاولات النظام الايراني إخضاع المدارس للمنطق الأمني مجرد إجراءات إدارية أو برامج لتعبئة الطلاب، بل تعكس مأزق سلطة تدرك أن المعركة على مستقبلها لا تدور في الشوارع وحدها، وإنما تبدأ أيضا داخل العقول. ومع اقتراب ذكرى انتفاضة نوفمبر 2019، تكتسب هذه التحركات دلالة سياسية واضحة، في ظل مخاوف متجددة من أن يتحول الغضب المتراكم لدى الشباب إلى موجة احتجاجية جديدة تهدد أركان الحكم.
فقد أعلن وزير التربية والتعليم في حكومة مسعود بزشكيان، علي رضا كاظمي، برامج تشمل مشاركة الطلاب في التجمعات والاستعراضات الرسمية، وتنظيم أنشطة أسبوعية، وحضور صلاة الجمعة بالزي المدرسي. ولا يمكن فصل هذه الإجراءات عن مساعي السلطة إلى فرض حضورها الأيديولوجي داخل المؤسسات التعليمية، وتحويل الطلاب من أصحاب عقول مستقلة إلى أدوات في مشهد سياسي تسعى من خلاله إلى إظهار الولاء الشعبي.
لكن ما أثار تساؤلات أعمق كان إعلان الوزير أنه “جندي السيد رادان”، في إشارة إلى قائد قوات الشرطة. وقد واجه هذا التصريح انتقادا من النائب صباغيان داخل البرلمان، الذي حذر من خطورة هذه اللغة وتداعياتها. فحين يضع وزير التربية والتعليم نفسه في موقع الجندي التابع لقائد الشرطة، فإن القضية تتجاوز زلة لسان لتطرح سؤالا عن طبيعة المؤسسة التعليمية التي يريدها النظام: أهي مؤسسة لبناء المعرفة والوعي النقدي، أم امتداد للجهاز الأمني؟
وتأتي تحذيرات قائد الشرطة أحمد رضا رادان مما وصفه بمحاولات “اختطاف أفكار الطلاب” لتكشف جانبا آخر من هذه المعركة. فالنظام الذي يعتبر الأفكار المخالفة تهديدا أمنيا لا يتعامل مع الشباب بوصفهم مواطنين لهم حق الاختيار، بل ينظر إلى عقولهم باعتبارها مساحة يجب ألا تخرج عن السيطرة الرسمية. وهكذا، يصبح الاختلاف الفكري مشكلة أمنية، ويغدو استقلال الطالب خطرا يستوجب الاحتواء والمراقبة.
وليست هذه النزعة منفصلة عن تاريخ النظام. فقد شهدت سنوات الحرب العراقية الإيرانية تعبئة طلاب وقاصرين تحت شعارات دينية وسياسية، في تجربة كشفت كيف يمكن إخضاع التعليم والطفولة لمتطلبات السلطة. واليوم، وإن اختلفت الظروف والأدوات، فإن إعادة توظيف المدارس لخدمة التعبئة الرسمية تثير مخاوف من تكرار النهج ذاته، وإن اتخذ هذه المرة صورة السيطرة على الوعي بدلا من الزج بالطلاب في جبهات القتال.
وتحمل ذكرى الرابع من نوفمبر مفارقة تاريخية لافتة؛ ففي عام 1978، واجه طلاب إيرانيون القمع خلال احتجاجاتهم ضد نظام الشاه، لكن العنف لم يمنع اتساع الحركة الشعبية التي انتهت بسقوط النظام الملكي. وبعد عقود، جاءت انتفاضة نوفمبر 2019 لتؤكد أن الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي قد يتحول إلى تحد سياسي واسع، وأن الشباب ليسوا مجرد متلقين لخطاب السلطة، بل قوة قادرة على قلب المعادلات حين تتراكم أسباب الغضب.
ومن هنا، يمكن قراءة عسكرة المدارس باعتبارها محاولة لتحصين النظام من الداخل، والحد من احتمالات انخراط الأجيال الجديدة في احتجاجات مستقبلية. غير أن هذه المحاولة تحمل تناقضها في داخلها؛ فكلما اضطرت السلطة إلى توسيع الرقابة على العقول، كشفت عن خشيتها من الأفكار التي لا تستطيع التحكم فيها، وكلما بالغت في فرض الولاء، أثارت أسئلة بشأن أسباب افتقارها إليه.
فالأزمة الحقيقية لنظام الملالي ليست في أن أفكار الشباب قد تتأثر بجهات معارضة، بل في أن جيلا كاملا قد يرفض أن يرهن مستقبله لسلطة تريد احتكار السياسة والدين والتعليم معا. ولا تستطيع الاستعراضات المدرسية إخفاء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، كما لا تستطيع الأوامر الأمنية تحويل الإكراه إلى قناعة أو الصمت إلى رضا.
إن المدارس التي تتحول إلى ثكنات أيديولوجية تفقد رسالتها الأساسية، والطلاب الذين يطلب منهم ترديد شعارات السلطة لا يفقدون بالضرورة قدرتهم على التساؤل والرفض. وقد تنجح القبضة الأمنية في تأجيل التعبير عن الغضب، لكنها لا تزيل أسبابه.
وهكذا، فإن سعي النظام إلى إحكام قبضته على المدارس عشية ذكرى انتفاضة نوفمبر يكشف عن خوف يتجاوز الشارع إلى المستقبل نفسه: خوف من جيل قد لا يقبل إعادة إنتاج منظومة الحكم ذاتها، وقد يرى في حرية التفكير مدخلا إلى المطالبة بتغيير سياسي أوسع. فحين تصبح المدرسة جبهة للدفاع عن النظام بدلا من أن تكون فضاء لبناء الإنسان، فإن ذلك لا يدل على قوة السلطة بقدر ما يكشف عن عمق أزمتها مع المجتمع الذي تحكمه.