ايلاف – مهدي عقبائي:
الرواتب والمعاشات تتراجع فعليًا في إيران أمام تكاليف الحياة
تكشف احتجاجات المتقاعدين واتساع الرقابة الأمنية أن النظام الإيراني بات يتعامل مع الأزمات المعيشية والاجتماعية بوصفها تهديدات أمنية، فيما تتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.
عادت أصوات المتقاعدين إلى شوارع طهران وأصفهان وشوش والأهواز ورشت، لكن ما جرى لم يعد مجرد اعتراض على معاشات متآكلة أو خدمات صحية تتراجع يومًا بعد يوم. فالشعارات التي ارتفعت في التجمعات تجاوزت المطالب المعيشية إلى المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وإدانة الفقر والفساد، والتأكيد أن البرلمان والحكومة لا يمثلان مصالح المحتجين. وفي أكثر من مدينة تكررت العبارة التي أصبحت مألوفة في التحركات الاجتماعية الأخيرة: “لن نحصل على حقوقنا إلا في الشارع”.
هذه الاحتجاجات المتكررة للمتقاعدين والعمال وشرائح اجتماعية أخرى تكشف تحولًا مهمًا في العلاقة بين المجتمع والسلطة. فالقضايا التي كان يفترض أن تعالج عبر مؤسسات التقاعد أو الموازنة أو البرلمان تنتقل بصورة متزايدة إلى الشارع، بينما يبدو أن النظام الحاكم في إيران لا يبحث عن معالجة أسباب الغضب بقدر ما يستعد أمنيًا لنتائجه.
الدليل الأوضح جاء من داخل البرلمان نفسه، حيث طُرح مشروع مدعوم بتوقيعات عشرات النواب لإعادة تنظيم مجلس الأمن القومي حول مفهوم جديد يسمى “حوكمة الأمن الإدراكي”، والتعامل مع ما تصفه السلطة بـ”التهديدات والحروب الإدراكية”.
والمصطلح في حد ذاته بالغ الدلالة. فالأزمة الاقتصادية أو الاجتماعية لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها مشكلة تتطلب سياسة عامة، بل أصبح وعي المواطن ورد فعله ونظرته إلى السلطة جزءًا من الملف الأمني.
بعبارة أخرى، المشكلة بالنسبة إلى النظام ليست فقط أن المواطن أصبح أفقر، بل أن هذا المواطن قد يستنتج من فقره أن المشكلة تكمن في بنية الحكم نفسها.
ويمتد هذا المنطق إلى شبكة الإنترنت. فقد تدخلت لجنة المادة 90 في البرلمان لمنع تقليص السيطرة الحكومية المباشرة على شركة اتصالات البنية التحتية التي تتحكم بالعمود الفقري للاتصالات في البلاد، بحجة أن بقاء هذه الشبكة تحت ملكية الدولة ضروري في أوقات الأزمات.
كما أقر مسؤول في منظمة تكنولوجيا المعلومات بأن السلطات مستعدة لاتخاذ إجراءات تتعلق بالاتصال الدولي إذا اعتبرت الأمن القومي مهددًا، من دون أن يحدد الجهة التي تتخذ قرار قطع الإنترنت أو تقييده.
وبعد التجارب السابقة في قطع الشبكة خلال الانتفاضات والأزمات، لم يعد تعطيل الإنترنت إجراء استثنائيًا، بل تحول إلى أداة قائمة ضمن خطط إدارة الداخل.
الاقتصاد يضيّق هامش المناورة
ليس من الصعب فهم أسباب هذا القلق الأمني. فالرواتب والمعاشات تتراجع فعليًا أمام تكاليف الحياة، والسكن يستهلك قسمًا بالغًا من دخل الأسر، بينما دفعت أسعار الغذاء المتصاعدة شرائح متزايدة إلى خفض استهلاكها أو التخلي عن سلع كانت حتى وقت قريب من أساسيات المائدة.
وقد تناولت في مقال سابق في إيلاف كيف لم تعد أزمات الريال والدواء والطاقة ملفات منفصلة، بل بدأت تتداخل وتضغط على قدرة النظام على شراء الوقت واحتواء المجتمع.
واليوم يضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الاتصالات والنقل والتغييرات المتواصلة في سياسة الوقود. وقد دخل البنزين الممتاز المنتج محليًا إلى السوق بأسعار مرتفعة جدًا، في الوقت الذي رفعت فيه السلطات سعر إحدى شرائح البنزين العادي.
قد يبدو البنزين ملفًا اقتصاديًا، لكن ذاكرة النظام تقول شيئًا آخر. فقد كانت زيادة أسعار الوقود عام 2019 شرارة لاحتجاجات واسعة، ولذلك تتحرك السلطات هذه المرة بحذر، من خلال تعدد الأسعار وتشديد استخدام بطاقات محطات الوقود والمراجعات المرحلية للأسعار.
إنه مثال آخر على كيفية تحول القرار الاقتصادي إلى ملف أمني.
حين يصبح كل شيء مسألة أمن
في الوقت ذاته تتسع الصراعات داخل أجنحة النظام. ففي تجمع لأنصار التيار المتشدد في مشهد، تعرض حسن روحاني ومحمد جواد ظريف لهجمات سياسية حادة، ووصلت الشعارات إلى المطالبة بإعدام يوسف، نجل مسعود بزشكيان. وهذا يوضح إلى أي مدى انتقل الخلاف حول الحرب والمفاوضات والعلاقات الخارجية إلى مستوى التهديد بين شبكات السلطة نفسها.
أما القمع، فلم يعد يلاحق الحاضر وحده، بل يمتد إلى الذاكرة أيضًا. فقد مُنعت عائلات عدد من السجناء السياسيين الذين أُعدموا في مجزرة صیف عام 1988 مجددًا من دخول مقبرة خاوران، واضطرت إلى إحياء ذكرى ذويها خارج أبواب المقبرة.
وفي موازاة ذلك، تستمر الاعتقالات المرتبطة بالتحركات الأخيرة، من توقيف طلاب ومراهقين إلى ملاحقة أشخاص تتهمهم السلطات بالمشاركة في انتفاضة كانون الثاني (يناير) 2026، حتى بعد مرور أشهر على الاحتجاجات.
وهكذا تتجمع أمام النظام ملفات لم يعد من السهل الفصل بينها: متقاعدون يعودون أسبوعًا بعد آخر إلى الشارع، أسر تتراجع قدرتها على شراء الغذاء والعلاج، أسعار خدمات أساسية ترتفع، الإنترنت يُعامل كمنشأة أمنية، البرلمان يناقش “الأمن الإدراكي”، الاعتقالات مستمرة، والصراعات بين أجنحة السلطة تتحول إلى تهديدات علنية.
المغزى الأهم ليس في كل واقعة منفردة، بل في اجتماعها.
فالنظام الحاكم في إيران يبدو أكثر ميلًا إلى تعريف أزمة بقائه باعتبارها أزمة أمنية، بدلاً من التعامل معها بوصفها أزمة حكم وسياسات. وبدلاً من تخفيف الضغوط التي تدفع الناس إلى الاحتجاج، يعمل على توسيع أدوات مراقبة المجتمع والسيطرة على المعلومات والاستعداد لقمع ردود الفعل.
وهنا تكمن المعضلة.
كلما تعمقت الأزمة الاقتصادية احتاج النظام إلى مزيد من الإجراءات الأمنية، لكن هذه الإجراءات نفسها تزيد الشعور بالاختناق وانعدام الثقة. وكلما حاول احتواء الشارع بالقوة، اتسعت المسافة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
عودة المتقاعدين إلى الشوارع ليست، إذًا، مجرد احتجاج آخر على المعاشات. إنها مؤشر إلى مجتمع لم تعد قنوات النظام قادرة على امتصاص غضبه، وإلى سلطة أصبحت ترى في المطالب اليومية، من الخبز والدواء إلى الإنترنت والمعاش، احتمالًا أمنيًا.
وهذه هي الدلالة الأهم: حين تبدأ السلطة في التعامل مع كل مشكلة اجتماعية باعتبارها تهديدًا أمنيًا، فإنها لا تثبت أنها حلت الأزمة، بل تكشف إلى أي مدى أصبحت تخشاها.








