الحوار المتمدن-نزار جاف:
في قاموس المواجهة الأمريكية الإيرانية، يبدو أن الأسلحة لم تعد تكتفي بقدراتها التدميرية، بل باتت تحتاج أيضا الى ألقاب تمنحها مزيدا من الهيبة في سوق التهديدات الدولية. فبعدما لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام ما يعرف بـ”أم القنابل” ضد إيران، خرج علاء الدين بروجردي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، ليعلن أن لدى بلاده ما يكفي للرد، وأن “أبا الصواريخ” قد يكون في انتظاره.
وهكذا، أضيفت إلى المواجهة مفردة جديدة، لا يعرف إن كانت ستغير شيئا في الحسابات العسكرية، لكنها بالتأكيد تمنح التصريحات السياسية فرصة إضافية للتداول. فحين تصبح الأسماء جزءا من معركة الردع، يبدو أن الترسانة العسكرية لا تحتاج الى خبراء لتقييم فعاليتها بقدر ما تحتاج إلى متخصصين في اختيار الألقاب. ولعل الخطوة التالية أن تدخل الأسلحة سجالا لغويا موازيا، يتولى فيه كل طرف إثبات أن قاموسه أكثر إثارة للقلق من قاموس خصمه.
غير أن ما يستحق الانتباه في تصريح بروجردي ليس الاسم الذي اختاره للصواريخ الإيرانية، بل الثقة التي أحاط بها تهديده. فالرجل يتحدث عن أسلحة ستجعل الولايات المتحدة تدرك الثمن الذي ستدفعه، ويذهب الى حد التلويح بالضغط على عنق ترامب، بالتزامن مع تأكيد أن إيران ستتمسك بموقفها من مضيق هرمز. إنها لغة تعرف جيدا كيف تصنع الانطباع، لكن الانطباع، مهما كان قويا، لا يصلح بديلا عن الإجابة عن السؤال الأصعب: ما الذي تستطيع إيران فعله فعلا، وما الذي قد يترتب على فعله؟
في السياسة، لا تخلو التهديدات من وظيفة نفسية، وقد يكون تضخيم اللغة جزءا من محاولة منع الخصم من المضي في خياراته. لكن ثمة فارقا بين أن تستخدم الدولة الغموض لتعقيد حسابات خصمها، وأن تجعل الغموض نفسه بديلا عن الحسابات. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن بعض التصريحات تحاول تعويض ضيق الخيارات برحابة المفردات، وكأن رفع مستوى الوعيد يمكن أن يوسع تلقائيا مساحة المناورة.
أما واشنطن، فليست بعيدة عن هذا المنطق. فترامب الذي يلوح بأشد الأسلحة تدميرا لا يقدم بالضرورة دليلا على أن استخدامها هو الخيار الأكثر حكمة، مثلما أن طهران لا تثبت قدرتها على الرد بمجرد الإعلان عن امتلاكها أسلحة تحمل أسماء ثقيلة. وبين الطرفين، تتحول السياسة أحيانا الى امتحان في القدرة على إقناع الجمهور بأن الطرف الآخر هو من ينبغي أن يشعر بالقلق أولا.
لكن القلق، في مثل هذه المواجهات، ليس موردا يمكن احتكاره. فالتصعيد حول مضيق هرمز، مثلا، قد يضع الولايات المتحدة أمام تحديات استراتيجية واقتصادية، لكنه قد يفرض على إيران نفسها أثمانا لا تقل تعقيدا. فالمضيق ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن تحويلها الى أداة ضغط من دون حساب التداعيات، بل شريان حيوي تتشابك عنده مصالح دولية وإقليمية. ومن يلوح بإغلاق أبواب الآخرين ينبغي أن يتأكد أولا من أنه لا يقف خلف الباب نفسه.
ولعل المعضلة الحقيقية تكمن في أن الخطاب المتشدد يخلق لنفسه جمهورا يصعب تجاهله. فكلما ارتفعت نبرة التهديد، ازدادت كلفة التراجع عنه، حتى عندما تتغير الظروف أو تتضح مخاطر المواجهة. عندها لا يعود المسؤول معنيا فقط بحسابات الدولة، بل يصبح أسيرا للصورة التي صنعها لنفسه أمام جمهوره. وهكذا، قد تتحول العبارة التي أطلقت لإظهار القوة إلى قيد يحد من حرية الحركة، ويجعل التسوية تبدو وكأنها هزيمة، حتى لو كانت أقل الخيارات كلفة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المنافسة بين “أم القنابل” و”أبو الصواريخ” مجرد طرفة لغوية. إنها تكشف عن ميل أوسع الى تقديم القوة في صورتها الاستعراضية، حيث تحتل أسماء الأسلحة مساحة واسعة من المشهد، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بأهداف استخدامها وحدود التصعيد ومخارج الأزمة في الخلفية. فليس المهم أن يقتنع الجمهور بأن لدى كل طرف ما يخيف الآخر، بل أن يعرف ما إذا كان لدى الطرفين ما يمنعهما من تحويل التهديد إلى واقع.
وقد يكون من السهل على المسؤولين أن يعلنوا امتلاك أوراق حاسمة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين يتعين استخدام هذه الأوراق، أو حين يصبح التراجع عنها ضرورة. عندها فقط تظهر المسافة بين امتلاك السلاح والقدرة على توظيفه، وبين التهديد الذي يرفع المعنويات والقرار الذي يحمي المصالح. وهي مسافة لا تختصرها التصريحات، مهما بدت واثقة، ولا تسدها الألقاب مهما كانت رنانة.
في النهاية، لا تحتاج “أم القنابل” الى أب كي تظل خطرة، ولا يحتاج “أبو الصواريخ” إلى اسم إضافي كي يكون مصدر قلق. ما تحتاج إليه المنطقة هو أن يتذكر أصحاب هذه الترسانة أن القوة لا تقاس فقط بما يمكن تدميره، بل أيضا بما يمكن تجنب تدميره. أما إذا استمر الطرفان في رفع سقف التهديدات، فقد يكتشفان أن المنافسة على إظهار الاستعداد للحرب أكثر سهولة بكثير من السيطرة على نتائجها.
وفي السياسة، قد تمنحك الكلمات صورة المنتصر قبل المعركة، لكنها لا تضمن لك شيئا بعد أن تبدأ؛ وأحيانا تكون المشكلة أن ينجح التهديد في إقناع صاحبه بقدرته على تنفيذه، قبل أن يقنع خصمه بالخوف منه.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








