وقفة تضامنیة لعناصر جهاز السافاك مع رضا بهلوي نجر آخر شاه لایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليس غريبا أن يحاول رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، تقديم نفسه بوصفه أحد البدائل السياسية المحتملة للنظام القائم في طهران. فالأزمات العميقة التي تعيشها إيران، وما يرافقها من استياء اجتماعي وسياسي، تفتح المجال أمام شخصيات وتيارات متعددة لطرح تصوراتها بشأن المستقبل. لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بمجرد حقه في عرض مشروعه السياسي، بل بطبيعة هذا المشروع، وبما إذا كان يمثل قطيعة حقيقية مع الاستبداد أم محاولة لإعادة إنتاج الماضي تحت شعارات جديدة.
إن الدعوة إلى استعادة النظام الملكي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تستدعي العودة إلى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: لماذا ثار الإيرانيون على حكم الشاه عام 1979؟
لم تكن الثورة الإيرانية وليدة لحظة عابرة، ولا مجرد انفعال جماهيري ضد شخص الحاكم. فقد تراكمت في عهد محمد رضا بهلوي مشكلات سياسية واجتماعية عميقة، في مقدمتها تضييق المجال السياسي، وقمع المعارضين، ودور جهاز السافاك الأمني في ملاحقة الخصوم. وعلى الرغم من مظاهر التحديث التي شهدتها البلاد في قطاعات مختلفة، فإن التحديث الاقتصادي والاجتماعي لم يكن بديلا عن الحريات السياسية، ولم يستطع أن يبدد شعور قطاعات واسعة من الإيرانيين بالإقصاء وغياب المشاركة في تقرير مصيرهم.
من هنا، فإن تصوير الثورة باعتبارها خطأ تاريخيا لمجرد أن النظام الذي نشأ عنها انتهى إلى استبداد ديني، ينطوي على خلط بين الثورة وأحد المسارات التي استولت على نتائجها. فالثورة التي شاركت فيها قوى اجتماعية وسياسية متعددة لم تكن تفويضا أبديا لتيار ديني بعينه، ولم يكن إسقاط الملكية إعلانا عن رغبة الإيرانيين في استبدال سلطة وراثية بسلطة دينية مغلقة.
لقد نجح آية الله الخميني، والقوى التي التفت حوله، في تحويل ميزان القوى لمصلحتهم، ثم في إقصاء خصومهم وتكريس نظام ولاية الفقيه. وهكذا انتقلت إيران من استبداد ملكي إلى استبداد ديني، فيما بقيت المسألة الأساسية، أي حق المجتمع في اختيار حكامه ومراقبتهم ومحاسبتهم، موضع صراع لم ينته.
لكن الإخفاق اللاحق لا يمنح النظام السابق براءة تاريخية، مثلما أن رفض الملكية لا يعني القبول بالجمهورية الإسلامية. فهذه هي المفارقة التي ينبغي أن يدركها كل من يريد اختزال التاريخ الإيراني في خيارين متقابلين: إما الشاه وإما رجال الدين. إن الشعب الإيراني ليس محكوما بالاختيار بين ماض ملكي وحاضر ديني، وكأن الديمقراطية استثناء مستحيل في تجربته السياسية.
وفي هذا السياق، أثارت مساعي استضافة رضا بهلوي في البرلمان البلجيكي اعتراضات منظمات إيرانية وشخصيات مدنية وأكاديمية، حذرت من أن تقديمه باعتباره ممثلاً للمعارضة يتجاهل تعددها، ويثير مخاوف من إعادة إنتاج الحكم الوراثي. كما أكدت الخارجية البلجيكية أن الإيرانيين وحدهم يملكون حق تحديد مستقبل بلادهم، وأن بهلوي لا يمثل المعارضة الإيرانية بأكملها.
ولا يعني ذلك أن كل من يؤيد رضا بهلوي يرفض الديمقراطية بالضرورة، أو أن كل إيراني يحن إلى العهد الملكي يتطلع إلى عودة القمع. فهناك إيرانيون يرون فيه رمزا للعلمانية أو للاستقرار، وهناك آخرون يرفضونه بسبب تاريخ النظام الذي ينتمي إليه مشروعه. لكن الخلاف ينبغي أن يحسم بمناقشة الضمانات والمؤسسات، لا بالرموز العائلية ولا بالحنين إلى مرحلة انتقائية من التاريخ.
فإذا كان رضا بهلوي يدعو إلى مستقبل ديمقراطي لإيران، فإن المعيار الحقيقي ليس اسمه ولا نسبه، وإنما مدى التزامه بحق الإيرانيين في اختيار شكل الدولة، وتحديد ما إذا كانوا يريدون ملكية دستورية أم جمهورية، عبر عملية سياسية حرة، وانتخابات نزيهة، ودستور يضمن تداول السلطة واستقلال القضاء وحرية التعبير وحقوق القوميات والأقليات.
أما إذا كان المشروع يقوم على افتراض أن الوريث يستطيع أن يستعيد شرعية العرش بمجرد سقوط النظام الحالي، فإن ذلك لا يحل أزمة الشرعية، بل يعيد إنتاجها بصيغة أخرى. فالشرعية السياسية لا تنتقل بالدم، ولا تورث كما تورث الممتلكات.
إن المأساة الإيرانية ليست أن الشعب ثار على الشاه، بل أن الثورة لم تحقق ما كان يتطلع إليه كثيرون من حرية وكرامة واستقلال سياسي. والدرس الأهم من التجربتين الملكية والدينية هو أن إسقاط الاستبداد لا يكفي ما لم تبن مؤسسات تمنع عودته، أيا كانت الشعارات التي يتخفى وراءها.
فإيران لا تحتاج إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل إلى استعادة حق شعبها في أن يصنع المستقبل، من دون شاه يفرضه النسب، أو رجل دين يحتكر الحقيقة، أو أي قوة أخرى تدعي الوصاية على إرادته.








