اشتباکات بالایدي داخل البرلمان الایراني-
وكالة حضر موت- د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي:
تخترق مفاصل المنظومة الحاكمة في طهران مع مستهل خريف عام 2026 أزمة انقسام هيكلي غير مسبوق، تتجسد في تفجر صراع الأجنحة إلى مستويات علنية وصدامات مفتوحة على المنابر الدبلوماسية والبرلمانية وفي الشارع. وبينما تحاول أطراف حكومية البحث عن نوافذ للهروب من الخناق الاقتصادي المتفاقم عبر مساومات خارجية وترضيات إقليمية، تشن التيارات المتشددة هجوماً كاسحاً للتهديد والوعيد، محاصرة منازل القيادات السابقة ومحذرة من أي تفاهمات. هذا التناحر المزدوج يعري عجز المنظومة عن رسم مخرج لنجاتها من طوق الأزمات المتكاثرة أمام تصاعد الغليان الشعبي.
ميليشيات الشوارع وتصفية الحسابات السياسية في طهران
انتقلت تصفية الحسابات الداخلية بين مراكز القوى من التراشق المكتبي إلى التحشيد الميداني المباشر، حيث تحركت مجاميع منظمة لمحاصرة رموز حقبة الاتفاق النووي أمام منازلهم. ففي يوم الجمعة 25 سبتمبر 2026، احتشدت عناصر موالية لتيار “مجتبى خامنئي” أمام منزل الرئيس الأسبق للنظام حسن روحاني، مرددة هتافات عدائية تستفز الأجهزة الأمنية والقضائية ومطالبة بمحاكمته.
هذا التحشيد الميداني، الذي رفع شعارات تندد بسياسات الماضي وتستجدي تدخل الأجهزة الأمنية، يكشف بوضوح عن توظيف الشارع كأداة ضغط تخدم أجنحة محددة داخل هرم السلطة. إن استخدام هذه الأساليب الميليشياوية لترهيب الخصوم الداخليين يؤكد أن الصراع لم يعد سياسياً تقليدياً، بل تحول إلى “صراع بقاء عضوي” يعكس مدى هشاشة التوافقات العليا داخل النظام.
هستيريا الرفض الراديكالي: التهديد بالصواريخ ونسف مساعي الحوار
توازى التصعيد الميداني مع هجوم سياسي وإعلامي ضارٍ شنته المؤسسات الراديكالية لنسف أي مساعٍ دبلوماسية للتهدئة. فقد تصدر مانشيت صحيفة “كيهان” في 26 سبتمبر 2026 عنوان: “المفاولات عملية خداع”، معتبرة أن أي محادثات مع واشنطن لا تعدو كونها غطاءً لحصار هجين. ولم تكتف الصحيفة بذلك، بل هددت بشكل مباشر بأن أي ضغط أو حصار سيقابل باستهداف دقيق للمنشآت النفطية والقواعد العسكرية ومصالح الخصوم الدوليين في المنطقة.
هذا الموقف المتشدد انسحب على البرلمان الإيراني، حيث حذر نواب بارزون من أن استجداء الاتفاقات يفسر كعلامة ضعف ويشجع الخصوم على تصعيد الضغوط. وتؤكد هذه المواقف أن الجناح المهيمن يرفض تماماً تقديم أي تنازلات استراتيجية، مفضلاً المضي في استراتيجية التصعيد الإقليمي حتى وإن أدى ذلك إلى تعميق العزلة الدولية.
الدبلوماسية الإقليمية تحت مقصلة التخوين الداخلي
امتد سعار الصراع ليعصف بالدبلوماسية الإقليمية، على خلفية مشاركة المعاون التنفيذي لرئيس النظام، جعفر قائمپناه، في احتفال اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية داخل سفارتها في طهران. وأثار هذا الحضور موجة تخوين عارمة قادها ممثل الولي الفقيه في صحيفة “كيهان”، حسين شريعتمداري، الذي طعن علناً في أهلية وصلاحية المراجع التي استند إليها المسؤول الحكومي لتبرير خطوته.
وأمام هذه النيران المتبادلة، اضطر قائمپناه للظهور عبر التلفزيون الرسمي في 25 سبتمبر 2026 للدفاع عن قراره، مؤكداً أن المشاركة جاءت بتوجيه من الهيئات السيادية العليا وأعضاء “المجلس الأعلى للأمن القومي” لتعزيز العلاقات الإقليمية. يكشف هذا السجال عن تفكك آليات صنع القرار، حيث تتحول الخطوات الدبلوماسية البسيطة إلى “ساحة حرب بينية” تعكس عمق الانقسام بين الجهاز التنفيذي ومراكز النفوذ العقائدية.
شلل المنظومة ومسارات السقوط الوشيك تحت مطرقة البديل الشعبي
يؤكد هذا التناحر المتفجر على رأس السلطة أن النظام يمر بحالة شلل استراتيجي وتفكك وظيفي تام. فبينما تحاول الحكومة تفادي الانهيار الاقتصادي عبر مناورات التهدئة، تسارع التيارات الراديكالية إلى إشعال حرائق المزايدات وإجهاض أي مسار للتفاهم، مما يجعل السياسة الخارجية مجرد أداة في صراع العصابات الداخلي.
هذا التآكل الذاتي يتزامن مع اتساع رقعة الحصار الاجتماعي، حيث تواجه المنظومة غليان الملايين المتضررة من سياسات النهب المنظم والإنفاق العسكري العبثي. وفي ظل هذا التخبط، يؤكد الحراك الشعبي المتصاعد عبر “وحدات المقاومة” أن أزمة النظام أعمق من أن تُحل بترقيعات سياسية، مسقطاً كل رهانات الديكتاتورية ومؤكداً التوجه نحو تأسيس “جمهورية تعددية مستقلة” تقوم على سيادة الشعب وتستند إلى رؤية ديمقراطية شاملة تنهي حقبة الاستبداد.
ارتدادات الشلل الهيكلي على خيارات المواجهة الخارجية
إن تصاعد صراع الأجنحة وعجز المؤسسات عن توحيد الرؤية الاستراتيجية يضعان طهران أمام مأزق حقيقي في إدارة أي تصعيد خارجي محتمل؛ فالانقسام العميق بين جناح يسعى للتهدئة لتفادي الانهيار الاقتصادي، وتيار راديكالي يدفع نحو حافة الأزمة والتهديد بالصواريخ، يجرّد النظام من “المرونة الدبلوماسية” ويفقد رسائل الردع الخاصة به أي تأثير حقيقي. وفي ظل هذا التآكل العضوي، تصبح المنظومة الحاكمة عاجزة عن تحمل كلفة المواجهات الكبرى، مما يرجح أن تتحول أزماتها الداخلية إلى محفز أساسي لتسريع سقوطها تحت وطأة الضغوط الخارجية والغليان الشعبي المتصاعد.
د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي








