رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
أعاد الإعلان عن اشتباكات قرب المقر المركزي للسلطة القضائية في العاصمة الإيرانية طهران، مساء الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، طرح أسئلة جديدة بشأن طبيعة المواجهة بين السلطات الإيرانية ومعارضيها، في ظل استمرار الجدل حول الإعدامات والملاحقات الأمنية، وضيق المجال المتاح أمام المعارضة السياسية.
ووفقا لبيان صادر عن قيادة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية داخل البلاد، تحركت مجموعات تابعة لما تسميه المنظمة “وحدات المقاومة” باتجاه منطقة جادة كشاورز، بعد ورود معلومات، بحسب البيان، عن توجه رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي إلى المقر المركزي. وأضافت المنظمة أن اشتباكات وقعت مع عناصر الأمن والشرطة، وأسفرت عن اعتقال عدد من المشاركين، بينما تمكن آخرون من مغادرة المنطقة.
ومع أن تفاصيل العملية تظل بحاجة إلى تأكيد مستقل، فإن الإعلان عنها يسلط الضوء على جانب من الصراع السياسي والأمني الذي تشهده إيران، وعلى الدور الذي يحتله ملف الإعدامات في خطاب المعارضة وتحركاتها المعلنة.
القضاء في قلب المواجهة
لا تقتصر أهمية الحادثة على المكان الذي قيل إن الاشتباكات وقعت بالقرب منه، بل تتصل بطبيعة المؤسسة المستهدفة. فالسلطة القضائية الإيرانية تؤدي دورا أساسيا في إدارة القضايا الجنائية والأمنية، بما فيها القضايا المتعلقة بالاحتجاجات والنشاط السياسي المعارض.
ومن هنا، فإن استهداف موقع مرتبط بهذه المؤسسة، إذا تأكدت تفاصيله، يحمل دلالة سياسية تتجاوز المواجهة الأمنية المباشرة. فهو يضع المؤسسة القضائية في قلب النزاع حول شرعية السلطة، وحدود استخدام القانون في التعامل مع الخصوم السياسيين، ومدى استقلال القضاء عن الاعتبارات الأمنية والسياسية.
وقد اكتسبت هذه القضايا أهمية إضافية في ظل التقارير عن استمرار تنفيذ أحكام الإعدام في إيران. ففي 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أفادت وكالة رويترز بتنفيذ حكم الإعدام بحق علي سينا مصطفوي، استنادا إلى معلومات نشرها موقع ميزان التابع للسلطة القضائية الإيرانية. وذكرت الرواية الرسمية أنه أدين بارتكاب هجمات مسلحة في مدينة كرمان، فيما ارتبطت قضيته باتهامات ذات طبيعة سياسية وأمنية.
وتكشف هذه التطورات عن استمرار استخدام عقوبة الإعدام في قضايا تصنفها السلطات ضمن الجرائم الأمنية والسياسية. غير أن التقييم الموضوعي لكل قضية يقتضي التمييز بين الاتهامات المعلنة والأدلة التي تثبتها، وبين الرواية الرسمية والضمانات القانونية التي ينبغي أن يتمتع بها المتهمون.
مجاهدو خلق واستراتيجية المواجهة
يمتد الصراع بين منظمة مجاهدي خلق والجمهورية الإسلامية إلى السنوات الأولى التي أعقبت ثورة عام 1979، وقد اتخذ أشكالا سياسية وتنظيمية ومسلحة، وشهد تحولات في طبيعة نشاط المنظمة وموقعها داخل إيران وخارجها.
وفي السنوات الأخيرة، أعلنت المنظمة مرارا عن عمليات تنسبها إلى “وحدات المقاومة”، مقدمة إياها باعتبارها ردا على القمع والإعدامات. ويأتي الإعلان عن العملية الأخيرة في إطار هذا الخطاب، لكن تحديد أثرها الفعلي يتطلب معلومات مستقلة عن حجمها ونتائجها، ومدى تأثيرها في المؤسسات المستهدفة.
فثمة فارق بين تنفيذ عملية أمنية محدودة، وبين إحداث تحول في ميزان القوى، وبين امتلاك قدرة سياسية واجتماعية تتيح إحداث تغيير مستدام. ولا يكفي الإعلان عن اختراق أمني أو وقوع اشتباكات قرب مؤسسة حكومية لإثبات تحقق تحول استراتيجي.
كذلك، لا يصح افتراض أن المعارضة الإيرانية تتبنى جميعها النهج نفسه أو أن المجتمع الإيراني يتبنى موقفا موحدا من العمل المسلح. فالمشهد المعارض يضم تيارات مختلفة في أهدافها ووسائلها وتصوراتها لمستقبل البلاد، الأمر الذي يجعل فهمه أكثر تعقيدا من اختزاله في مواجهة ثنائية بين السلطة وتنظيم واحد.
الإعدامات ومأزق الأمن السياسي
تطرح التطورات الإيرانية سؤالا جوهريا بشأن العلاقة بين الأمن والعدالة. فحماية المجتمع من العنف والجريمة مسؤولية أساسية للدولة، لكنها لا تلغي ضرورة احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وحق الدفاع، وقرينة البراءة، والتناسب في العقوبات.
وفي المقابل، فإن رفض القمع والإعدامات لا يعني أن كل أشكال المواجهة المسلحة مشروعة تلقائيا. فالمواقف السياسية والحقوقية ينبغي أن تستند إلى معايير واضحة تحمي المدنيين، وترفض استهداف الأشخاص خارج نطاق الاشتباك، وتخضع أفعال جميع الأطراف للمساءلة القانونية.
إن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يتجزأ بحسب هوية المتهم أو انتمائه السياسي. فإذا تأكد اعتقال المشاركين في العملية المعلنة، فإن الكشف عن أماكن احتجازهم، وضمان سلامتهم، وتمكينهم من التواصل مع محامين وأسرهم، وإتاحة الرقابة المستقلة على ظروف احتجازهم، تمثل مطالب أساسية بصرف النظر عن مواقفهم السياسية.
وفي الوقت نفسه، لا بد من التحقق من تفاصيل العملية نفسها، وعدم التعامل مع رواية أي طرف باعتبارها حقيقة مكتملة قبل توافر الأدلة المستقلة.
هل يفتح التصعيد طريقا إلى التغيير؟
من المبكر استخلاص نتائج حاسمة بشأن الأثر السياسي للعملية المعلنة. فالمعلومات المتاحة في بيان المنظمة لا تحدد العدد الدقيق للمشاركين أو المعتقلين، ولا تقدم حصيلة مستقلة للإصابات أو الأضرار، كما لا تكفي وحدها لتقييم مدى تأثير الحادثة في بنية السلطة الإيرانية.
ومع ذلك، فإن الإعلان عن استهداف موقع مرتبط بمؤسسة قضائية مركزية يعيد طرح مسألة قدرة المعارضة على التأثير في مسار الصراع الداخلي، وحدود الوسائل التي تعتمدها في مواجهة دولة تمتلك أجهزة أمنية وقضائية واسعة النفوذ.
ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان استمرار المواجهة سيؤدي إلى مزيد من التشدد المتبادل، أم سيدفع نحو مراجعة أوسع لسياسات القمع والعقوبات، ويفتح المجال أمام إصلاحات سياسية وقضائية حقيقية.
ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال حادثة واحدة، مهما كانت دلالاتها، لأن مسار التغيير يتأثر بعوامل متعددة، تشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتماسك مؤسسات الدولة، وتنوع القوى المعارضة، ومواقف المجتمع، فضلا عن الظروف الإقليمية والدولية.
خاتمة
إن الهجوم الذي أعلنت منظمة مجاهدي خلق مسؤوليتها عنه قرب المقر المركزي للسلطة القضائية في طهران يستحق المتابعة، لا باعتباره دليلا حاسما على تحول في ميزان القوى، بل بوصفه تطورا معلنا في سياق صراع سياسي وأمني أوسع.
وتظل مصداقية أي قراءة لهذا الحدث مرتبطة بالتمييز بين المعلومات المؤكدة والادعاءات التي لم تخضع للتحقق المستقل، وبالابتعاد عن المبالغة في تقدير نتائجه أو التقليل من دلالاته المحتملة.
فمستقبل إيران لن يتحدد بعدد الاشتباكات أو بحساسية المواقع التي تتعرض للهجمات وحدها، بل بمدى قدرة المجتمع والقوى السياسية على الخروج من دائرة القمع والعنف، وبناء نظام يحترم الحقوق الأساسية، ويضمن استقلال القضاء، ويتيح التنافس السياسي السلمي.
وفي نهاية المطاف، لا تكتسب المعارضة شرعيتها من مجرد معارضتها للسلطة، كما لا تستمد الدولة شرعيتها من احتكار القوة. إن المعيار الأهم هو احترام الإنسان وسيادة القانون، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وفتح الطريق أمام تغيير سياسي يضمن الحرية والعدالة لجميع المواطنين








