تظاهرات انصار منظمة مجاهدي خلق في نیویورك-
بحزاني – منى سالم الجبوري:
لا يمكن التعامل مع الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط باعتبارهما مجرد ظاهرتين أمنيتين منفصلتين عن البيئة السياسية التي تسمح بنموهما وتوظيفهما. وفي الحالة الإيرانية، تبرز مسؤولية نظام أقام منذ عام 1979 بنية حكم تمزج السلطة الدينية بالمؤسسات العسكرية والأمنية، وتستخدم نفوذها الداخلي والإقليمي لتعزيز بقائها وتوسيع مجال تأثيرها.
لقد تحول الحرس الثوري إلى أحد الأعمدة الرئيسية لهذه البنية، لا بوصفه مؤسسة عسكرية فحسب، بل باعتباره جهازا واسع النفوذ في الأمن والاقتصاد والسياسة، فضلا عن دوره في دعم جماعات مسلحة خارج الحدود الإيرانية. وهكذا، لم تعد تداعيات النظام محصورة في علاقة الدولة بمواطنيها، بل امتدت إلى أمن دول المنطقة واستقرارها، وأصبحت جزءا من معادلات الصراع الإقليمي.
غير أن المشكلة لا تكمن في الدين بحد ذاته، ولا يجوز اختزال الإسلام أو المسلمين في ممارسات النظام الإيراني. إن جوهر الإشكالية يتمثل في توظيف التأويل الديني لمنح السلطة حصانة سياسية، وتصوير معارضتها باعتبارها عداء للعقيدة، وتبرير القمع والتدخلات الخارجية بخطاب أيديولوجي. وحين تقترن هذه الرؤية بأجهزة أمنية وعسكرية نافذة، يصبح التطرف جزءا من أدوات الحكم والسياسة، لا مجرد انحراف هامشي في المجتمع.
ومن هنا، فإن العقوبات والضغوط الدبلوماسية والإجراءات الأمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة جذور الأزمة. فقد تحد من قدرات النظام أو تعرقل بعض أنشطته، لكنها لا تضمن تغيير النهج الذي أنتج الصراع، ما دامت بنية السلطة التي تحميه قائمة من دون مساءلة شعبية حقيقية.
في هذا السياق، تبرز المقاومة الإيرانية المنظمة باعتبارها أحد الأطراف التي تسعى إلى تحويل رفض النظام من حالة احتجاج وغضب إلى مشروع سياسي بديل. فوظيفة المقاومة المنظمة، وفق هذا التصور، لا تقتصر على فضح انتهاكات السلطة أو معارضة سياساتها الخارجية، بل تشمل الحفاظ على استمرارية العمل السياسي، وتنسيق الجهود المعارضة، وطرح رؤية للانتقال من الحكم الديني المغلق إلى نظام يقوم على سيادة الشعب والتعددية والتداول السلمي للسلطة.
وتكمن أهمية التنظيم في أن الاحتجاج الشعبي، مهما اتسع، قد يواجه القمع أو التشتت أو غياب الرؤية المشتركة. أما وجود قوة سياسية منظمة ذات برنامج معلن فيمكن أن يساعد على ربط المطالب الشعبية بأهداف سياسية محددة، وفتح نقاش جاد بشأن مستقبل مؤسسات الدولة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم إعادة إنتاج الاستبداد بأسماء أو شعارات مختلفة.
لكن نجاح هذا الدور ليس أمرا تلقائيا، ولا يكفي أن تعلن أي حركة معارضة أنها تمثل الشعب. فالمقاومة التي تطمح إلى بناء بديل ديمقراطي تحتاج إلى اكتساب الشرعية من الإيرانيين أنفسهم، وإلى تقديم ضمانات واضحة لحرية التعبير، والمساواة بين المواطنين، وحقوق النساء والأقليات القومية والدينية، واستقلال القضاء، والانتخابات الحرة. كما ينبغي أن يكون قرار الإيرانيين بشأن مستقبلهم مستقلا عن الإملاءات الخارجية، وأن يكون الاحتكام النهائي إلى إرادة الشعب.
أما المجتمع الدولي، فبوسعه أن يدعم هذا المسار من خلال حماية المعارضين والناشطين، ومحاسبة المتورطين في القمع والعمليات العابرة للحدود، ورفض استخدام الأراضي الأجنبية لتهديد أمن الدول، ومساندة حق الإيرانيين في تقرير مصيرهم. ولا يعني ذلك فرض قيادة سياسية من الخارج، بل تهيئة الظروف التي تسمح للمجتمع الإيراني بالتعبير عن إرادته واختيار مستقبله بحرية.
إن التغيير الجذري المنشود لا ينبغي أن يكون مجرد استبدال سلطة بأخرى، بل تحولاً في طبيعة الدولة ووظيفتها: من نظام يوظف الدين في احتكار الحكم وتوسيع النفوذ، إلى دولة مدنية ديمقراطية تحترم التعددية، وتصون حقوق مواطنيها، وتلتزم بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
وعليه، فإن دعم نضال الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة، على أساس برنامج ديمقراطي واضح وشرعية شعبية حقيقية، يمثل مسارا سياسيا يستحق الاهتمام في البحث عن حل مستدام للمعضلة الإيرانية. فاحتواء أنشطة النظام قد يخفف بعض المخاطر، أما إنهاء أسبابها فيتطلب تغييرا سياسيا يضع القرار بيد الإيرانيين، ويجعل إيران شريكا في الاستقرار الإقليمي بدلا من أن تكون ساحة لتصدير الأزمات والتطرف.








