تظاهرات انصار منظمة مجاهدي خلق الایرانیة في نیویورك–
بحزاني – منى سالم الجبوري:
في خضم تعدد السيناريوهات المطروحة للتعامل مع النظام الإيراني، من المواجهة العسكرية والضغوط الاقتصادية إلى الاحتواء الدبلوماسي والردع الإقليمي، تبرز حقيقة استراتيجية تستحق اهتماما أكبر: إن إضعاف النظام لا يعني بالضرورة إنهاء المعضلة الإيرانية، وإن معالجة جذورها تظل مرتبطة بإمكانية إحداث تغيير سياسي من داخل المجتمع الإيراني، يستند إلى إرادة الشعب وقدرة المقاومة المنظمة على تحويل هذه الإرادة إلى مشروع سياسي قابل للتحقق.
فالتجارب أثبتت أن الضربات العسكرية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع بمفردها بناء نظام بديل، وأن العقوبات الاقتصادية لا تضمن سقوط السلطة أو قيام دولة ديمقراطية. وقد تنتهي المواجهات الخارجية باتفاقات مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة، ما لم تتغير السياسات التي تقف وراءها. ومن هنا، فإن التغيير الداخلي يطرح نفسه باعتباره مسارا مختلفا، لا يكتفي بإضعاف أدوات النظام، بل يسعى إلى تغيير طبيعة السلطة وعلاقتها بالمجتمع ومحيطها الإقليمي.
وفي هذا المسار، لا يمكن اختزال المقاومة المنظمة في كونها امتدادا للاحتجاجات الشعبية أو مجرد صوت معارض في الخارج. فقيمتها الاستراتيجية المحتملة تكمن في قدرتها على توفير الاستمرارية السياسية والتنظيمية، وصياغة برنامج واضح للمرحلة الانتقالية، وربط المطالب الاجتماعية والسياسية برؤية لمستقبل الدولة. فالاحتجاجات، على أهميتها، قد تتعرض للتراجع تحت ضغط القمع أو تفتقر إلى قيادة مشتركة؛ أما وجود قوى منظمة فيمكن أن يساعد على الحفاظ على المطالب، وتنسيق الجهود المدنية والسياسية، وطرح بديل يتجاوز رفض النظام إلى تحديد ما ينبغي أن يحل محله.
لكن هذه الأهمية لا تعني أن أي تنظيم معارض يمتلك تلقائيا حق تمثيل الإيرانيين أو احتكار قرار التغيير. فالمقاومة التي تريد أن تكون بديلا سياسيا حقيقيا تحتاج إلى برنامج معلن يحترم التعددية، ويضمن حقوق النساء والأقليات القومية والدينية، ويؤسس لدولة القانون، ويترك للشعب حرية اختيار نظامه وممثليه عبر انتخابات حرة. إن التنظيم يمنح الحركة قدرة على الاستمرار، لكن الشرعية لا يمنحها التنظيم لنفسه؛ بل يكتسبها من ثقة المواطنين وإرادتهم الحرة.
ومن هنا يمكن فهم أهمية العلاقة بين الشارع والمقاومة المنظمة. فالتغيير لا يصنعه التنظيم بمعزل عن المجتمع، كما أن الغضب الشعبي وحده لا يضمن انتقالا سياسيا ناجحا. إن تلاقي الحراك المجتمعي مع قوى سياسية منظمة، تمتلك رؤية وبرنامجا وقدرة على إدارة مرحلة انتقالية معقدة، قد يفتح الطريق أمام تحول أكثر استدامة. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطا بقدرته على تجاوز الانقسامات، وتقديم ضمانات لجميع مكونات المجتمع الإيراني، ومنع إعادة إنتاج الاستبداد تحت شعارات جديدة.
في المقابل، قد تسعى السلطة إلى إضعاف البدائل المنظمة، وتصويرها باعتبارها أدوات لقوى أجنبية، أو حصر الصراع في ثنائية النظام والفوضى. فوجود معارضة قادرة على طرح بديل سياسي يشكل تحديا مختلفا عن الاحتجاجات المتفرقة، لأنه يضع أمام المجتمع احتمالا آخر لمستقبل البلاد. غير أن اتهامات السلطة لا تثبت وحدها صحة البدائل المعارضة أو بطلانها؛ فذلك ينبغي أن يحسم بالوقائع والبرامج والممارسة والقدرة على كسب الثقة الشعبية.
أما المجتمع الدولي، فليس دوره اختيار قيادة لإيران أو فرض نظام عليها، بل حماية حق الإيرانيين في تقرير مصيرهم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ورفض أن تتحول المصالح الجيوسياسية إلى مبرر لتجاهل تطلعات المجتمع. فالتغيير الذي يفرض من الخارج قد يبدل موازين القوة، لكنه لا يضمن قيام دولة مستقرة وشرعية.
إن جوهر المعضلة الإيرانية لا يكمن فقط في القدرات العسكرية للنظام أو في سياساته الإقليمية، بل أيضا في غياب آلية سياسية تتيح للمجتمع تغيير السلطة ومحاسبتها سلميا. ولذلك، فإن المقاومة المنظمة، متى امتلكت مشروعا وطنيا جامعا واكتسبت شرعية شعبية حقيقية، يمكن أن تؤدي دورا محوريا في وصل الاعتراض الشعبي بإمكان التغيير السياسي.
فالحسم الحقيقي للمعضلة الإيرانية لا يقاس فقط بمدى تراجع قوة النظام، بل بمدى قدرة الشعب على امتلاك مستقبله، وبقدرة مقاومته السياسية المنظمة على تحويل التطلع إلى الحرية إلى مشروع دولة ديمقراطية تحترم مواطنيها، وتعيش بسلام مع جيرانها.








