مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارالعراق بين وهم نزع السلاح وحقيقة الهيمنة الإيرانية

العراق بين وهم نزع السلاح وحقيقة الهيمنة الإيرانية

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
المشكلة ليست في البندقية وحدها، بل في الجهة التي توجهها والقرار الذي تتحرك بموجبه
إن اختزال الأزمة العراقية في مسألة نزع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران، على الرغم من أهمية هذه القضية وخطورتها، لا يمثل سوى معالجة لجزء من المشكلة، بينما تظل العقدة الأساسية كامنة في طبيعة النفوذ الإيراني داخل العراق، وفي مشروع الهيمنة الذي تمدد على مدى سنوات، مستفيدا من تداعيات الغزو الأميركي عام 2003، ومن انهيار مؤسسات الدولة، ومن اتساع الفراغ السياسي والأمني الذي أعقب ذلك. فالسلاح ليس سوى أحد مظاهر الأزمة، أما جوهرها فيكمن في النفوذ الذي يمنحه شرعيته، والقرار الذي يوجه استخدامه، والمشروع السياسي الذي يسعى إلى توظيفه لخدمة مصالح إقليمية تتجاوز حدود العراق وسيادته.
لقد أصبح من الصعب التعامل مع الدور الإيراني في العراق بوصفه مجرد علاقة جوار أو تعاون سياسي بين دولتين مستقلتين. فحجم النفوذ الذي راكمته طهران داخل مؤسسات الدولة، وفي أوساط القوى السياسية والفصائل المسلحة، جعل التدخل الإيراني في الشأن العراقي قضية تمس جوهر السيادة الوطنية، وتثير تساؤلات خطيرة بشأن استقلال القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومات العراقية المتعاقبة على اتخاذ قراراتها بعيدا عن الضغوط الخارجية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود فصائل مسلحة فحسب، بل في تحول السلاح الموازي إلى أداة نفوذ سياسي، وفي احتمال إخضاع المصلحة الوطنية العراقية لحسابات استراتيجية إيرانية. فعندما تمتلك جماعات مسلحة قدرات عسكرية خارج السيطرة الفعلية والحصرية للدولة، وتكون لها ارتباطات وولاءات عابرة للحدود، فإن ذلك لا يهدد احتكار الدولة للقوة فحسب، بل يضعف ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ويجعل القرار العراقي عرضة للتجاذبات والصراعات الإقليمية.
وتتضاعف خطورة هذه المعادلة عندما يصبح العراق ساحة لتصفية الحسابات أو توجيه الرسائل العسكرية إلى الولايات المتحدة أو غيرها من الأطراف. فالعراق الذي دفع شعبه أثمانا باهظة من الحروب والعقوبات والعنف الطائفي والإرهاب، ليس بحاجة إلى أن يتحول مرة أخرى إلى خط مواجهة متقدم في صراع لا يملك وحده تحديد أهدافه أو توقيتاته أو نتائجه. ومن هنا، فإن أي تحرك عسكري يجري انطلاقا من الأراضي العراقية لخدمة أجندة خارجية قد يعرض البلاد لضربات انتقامية، ويهدد أمن مواطنيها واقتصادها، ويقوّض فرص الاستقرار وإعادة بناء الدولة.
ولا يمكن فصل هذا الخطر عن البعد السياسي والاقتصادي للنفوذ الإيراني. فالتأثير في تشكيل الحكومات، وتوازنات البرلمان، ومواقع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، إلى جانب العلاقات التجارية والمالية وشبكات المصالح المتداخلة، كلها عوامل قد تسهم في تكريس التبعية وإضعاف استقلال القرار الوطني. وليست المشكلة في إقامة علاقات طبيعية مع إيران أو تطوير التعاون الاقتصادي معها؛ فالعراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع جميع جيرانه. إنما المشكلة تبدأ حين تتحول العلاقة بين دولتين إلى علاقة غير متكافئة، تصبح فيها مصالح الطرف الأقوى معيارا لتحديد خيارات الطرف الآخر.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن نزع سلاح الفصائل، إذا تحقق بمعزل عن معالجة جذور النفوذ الإيراني، سيكون كافيا لإنهاء الأزمة. فقد تتغير الأسماء والهياكل، وقد يُدمج بعض المسلحين في المؤسسات الرسمية، لكن النفوذ يمكن أن يستمر من خلال الأحزاب وشبكات المصالح والولاءات السياسية والاقتصادية. ولذلك، فإن أي مشروع جاد لاستعادة السيادة العراقية يجب أن يتجاوز الإجراءات الأمنية المحدودة إلى بناء دولة قادرة على فرض القانون على الجميع، ومنع امتلاك أي جهة قرارا عسكريا مستقلا عن القيادة الدستورية، وتجفيف مصادر التمويل غير الخاضعة للرقابة، وضمان استقلال المؤسسات القضائية والأمنية والمالية.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول رفض الهيمنة الإيرانية إلى عداء للشعب الإيراني، أو إلى دعوة لقطيعة غير محسوبة مع الجوار. فالمطلوب ليس استبدال تبعية بأخرى، ولا نقل العراق من محور إلى محور، بل إقامة علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعلى مبدأ واضح لا يقبل التأويل: العراق دولة ذات سيادة، وليست امتدادا جغرافيا أو جبهة أمامية لأي قوة إقليمية.
إن التحدي الإيراني، في جوهره، هو تحد لقدرة العراق على استعادة استقلال قراره وتحديد مصالحه الوطنية بنفسه. وكلما ظل القرار العراقي محكوما بتوازنات الفصائل المسلحة وضغوط القوى الخارجية، بقيت الدولة معرضة للاهتزاز، مهما تبدلت الحكومات وتغيرت الشعارات.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة نزع سلاح فحسب، بل معركة استعادة الدولة من كل أشكال الاختراق والهيمنة. فالسلاح المنفلت خطر، لكن الأخطر منه أن يصبح قرار الحرب والسلم، أو تحديد الأصدقاء والخصوم، أو رسم السياسات الاستراتيجية، رهينة إرادة خارجية.
العراق لا يحتاج إلى إذن من طهران كي يقرر مستقبله، ولا ينبغي أن يدفع شعبه ثمن صراعات لم يخترها. فاستعادة السيادة ليست شعارا سياسيا للاستهلاك، بل شرط لبقاء العراق دولة مستقلة، قادرة على حماية شعبها وثرواتها ومستقبل أجيالها. وما لم تواجه جذور الهيمنة، سيظل الحديث عن نزع السلاح محاولة لمعالجة الأعراض، فيما يبقى المرض الحقيقي كامنا في بنية القرار السياسي ومصادر القوة التي تنازع الدولة سيادتها.