مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارالعراق بعد الانسحاب الأميركي: هل تملك الدولة قرارها أم أن السلاح يملك...

العراق بعد الانسحاب الأميركي: هل تملك الدولة قرارها أم أن السلاح يملك الدولة؟

بحزاني -منى سالم الجبوري:
لم يكن خروج آخر جندي أميركي من العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026 مجرد نهاية لوجود عسكري استمر أكثر من عقدين؛ بل كان لحظة كاشفة انتقل فيها العراق من مرحلة كان فيها الوجود الأجنبي جزءا من معادلة الردع إلى مرحلة أصبح فيها السؤال أكثر صعوبة وإلحاحا: من يملك القرار الأمني والعسكري في العراق؟ الدولة أم القوى المسلحة التي تمتلك السلاح والنفوذ والقدرة على فرض شروطها؟
المشكلة العراقية لم تكن في يوم من الأيام مجرد مشكلة أمنية. إنها أزمة دولة مكتملة الأبعاد، تتداخل فيها الانقسامات السياسية والطائفية، وضعف المؤسسات، والفساد، والتنافس الإقليمي، لكن العامل الأكثر حساسية يبقى ذلك النفوذ الذي تمارسه الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل المشهدين السياسي والأمني.
لقد أعلنت بغداد مشروعا لحصر السلاح بيد الدولة، وربطت ذلك عمليا بمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي. غير أن الفصائل الأقوى والأكثر ارتباطا بطهران لم تتعامل مع القرار باعتباره شأنا عراقيا داخليا ينبغي الامتثال له، بل وضعت شروطا لنزع سلاحها، بينما أعلنت كتائب حزب الله وحركة النجباء تمسكهما بما تسميانه “سلاح المقاومة”.
وهنا تكمن عقدة العراق الحقيقية: كيف يمكن لدولة أن تحتكر قرار الحرب والسلم بينما توجد داخلها قوى مسلحة تمتلك قرارا مستقلا، وتستطيع رفض قرارات الحكومة أو إعادة تفسيرها وفق مصالحها؟
إن الحديث عن “الحشد الشعبي” بوصفه مؤسسة قانونية لا يحسم المشكلة. فالمسألة ليست في الاسم القانوني، وإنما في حقيقة القيادة والقرار. هل السلاح خاضع فعلا للقائد العام للقوات المسلحة، أم أن بعض التشكيلات تحتفظ بقيادة مستقلة، وشبكات تمويل، ومخازن أسلحة، وقدرة على اتخاذ قرار عسكري لا يمر عبر مؤسسات الدولة؟
وتشير التقارير الأخيرة إلى أن الحكومة العراقية لم تتمكن حتى الآن من تحويل شعار حصر السلاح إلى واقع كامل، وأن موعد 30 أيلول لم يتحول إلى عملية نزع شاملة، بل إلى بداية لمسار تفاوضي ممتد. كما أن بعض الفصائل التي أعلنت استعدادها للتسليم قدمت جزءا من أسلحتها فقط، بينما بقيت ترسانات أخرى خارج سيطرة الدولة.
ولا يمكن فصل هذه المعضلة عن إيران. فطهران لا تحتاج بالضرورة إلى وجود قوات إيرانية داخل العراق لكي تمارس نفوذا واسعا؛ يكفيها وجود قوى عراقية مسلحة تمتلك روابط سياسية وأمنية وعقائدية معها. وهذا هو جوهر المشكلة: حين تصبح الفصائل المسلحة جزءا من المعادلة الإقليمية الإيرانية، يصبح قرار نزع سلاحها أكثر من قرار عراقي داخلي.
ولهذا فإن الانسحاب الأميركي قد يكون قد أنهى الوجود العسكري المباشر، لكنه لم ينه الصراع على العراق. بل ربما نقل هذا الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدا. فواشنطن غادرت عسكريا، لكنها أبقت على علاقات وشراكات أمنية واقتصادية، بينما تجد إيران نفسها أمام عراق يفترض أن يصبح أكثر اعتمادا على مؤسساته الوطنية في إدارة أمنه.
وفي المقابل، لا يجوز اختزال الأزمة العراقية كلها في إيران والفصائل وحدها. فضعف الدولة وتعدد مراكز القرار والفساد والانقسام السياسي عوامل ساهمت في إنتاج البيئة التي سمحت بنمو القوى المسلحة. النفوذ الخارجي يجد دائما طريقه عندما تكون المؤسسات الوطنية ضعيفة، ولذلك فإن مواجهة النفوذ الإيراني لا يمكن أن تتم بالشعارات، وإنما ببناء دولة قادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء.
وفي هذا السياق تبرز أهمية توحيد قوات البيشمركة في إقليم كردستان، ليس بوصفها قوة في مواجهة مكون عراقي آخر، وإنما باعتبار بناء المؤسسات الأمنية الموحدة جزءا من مشكلة الدولة العراقية نفسها. وقد دعمت واشنطن لسنوات إصلاح البيشمركة وتوحيدها، خصوصا في إطار الحرب على تنظيم داعش، فيما تستمر الشراكة الأمنية الأميركية مع العراق بصيغ مختلفة بعد الانسحاب العسكري.
لكن الاختبار الحقيقي ليس في قدرة العراق على استبدال القوات الأجنبية بقوات عراقية فحسب، بل في قدرته على استعادة المعنى الحقيقي للدولة. الدولة ليست حكومة تجلس في بغداد وتصدر القرارات؛ الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحدد من يحمل السلاح، ومتى يستخدم، وضد من، وتحت أي قانون.

ولهذا فإن معركة العراق المقبلة ليست معركة ضد فصيل بعينه، ولا ينبغي أن تتحول إلى صراع أهلي أو طائفي. إنها معركة على مفهوم الدولة نفسه. فإذا تمكنت بغداد من تحويل حصر السلاح بيد الدولة إلى واقع تدريجي يحظى بغطاء قانوني وسياسي، فإنها تكون قد بدأت باستعادة جزء أساسي من سيادتها. أما إذا بقيت القرارات الأمنية رهينة تفاهمات الفصائل أو الحسابات الإقليمية، فإن الانسحاب الأميركي لن يكون نهاية الأزمة العراقية، بل بداية مرحلة جديدة منها.
فالسؤال الذي يواجه العراق اليوم ليس: من غادر العراق؟ بل: من بقي فيه قادرا على حمل السلاح، ومن يملك قرار استخدامه؟
وهنا تحديدا يبدأ الامتحان الحقيقي للدولة العراقية.