الاحتجاجات الطلابیة في ایران-
ایلاف – سعيد عابد:
يتعامل النظام مع الجامعات طوال العام باعتبارها ملفًا أمنيًا لا تعليميًا فقط
تحافظ الجامعات الإيرانية على دورها بوصفها مساحة يتقاطع فيها الغضب الطلابي مع الأزمات الاقتصادية والسياسية، ما يجعلها مصدر قلق مستمر للسلطة.
مع بداية العام الدراسي الجديد في إيران، عادت الجامعات سريعًا إلى الواجهة السياسية. ففي 28 أيلول (سبتمبر)، احتج طلاب جامعة علامه طباطبائي في طهران على ارتفاع تكاليف الدراسة، وتشديد الإجراءات الأمنية داخل الحرم الجامعي، والقيود المفروضة خصوصًا على الطالبات، إضافة إلى الحجاب الإجباري واعتقال الطلاب.
ورفع المحتجون شعارًا لافتًا: “لا ثكنة ولا مؤسسة تجارية تحيا الجامعة”. وفي جملة واحدة، جمع الشعار بين رفض تحويل الجامعة إلى فضاء أمني وبين الاعتراض على الأعباء الاقتصادية المتزايدة.
اقرأ أيضا
• •كوردستان الدولة التي يعترفون بها بمحاربتها
• •استفتاء كوردستان 2017.. بين حلم الاستقلال وحدود الواقع
• •إيران تحترق من أسفل
لكن أهمية هذا الاحتجاج لا تكمن في مطالبه وحدها. فهو يأتي بعد عام لعبت فيه الجامعات دورًا متكررًا في الاحتجاجات، من انتفاضة أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2025 وكانون الثاني (يناير) 2026 إلى موجات شباط (فبراير) وحزيران (يونيو)، وصولًا إلى بداية العام الدراسي الحالي.
“ذاكرة احتجاج لا تنقطع”
منذ الأيام الأولى للانتفاضة التي بدأت أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2025، انتقلت الاحتجاجات من الأسواق والشوارع إلى الجامعات. وشهدت جامعات طهران وشريف وأميركبير وبهشتي وعلامه والعلم والصناعة وجامعات أخرى تجمعات ومقاطعة للدروس.
وفي كانون الثاني (يناير)، لجأت السلطات إلى إخلاء مساكن طلاب جامعة طهران لمدة عشرة أيام، كما نُقلت امتحانات جامعة أرومية إلى الإنترنت، في محاولة لتقليص إمكان تجمع الطلاب.
كانت هذه الإجراءات مؤشرًا على أن المشكلة بالنسبة إلى النظام لا تقتصر على الاحتجاج داخل الحرم الجامعي. فالجامعة يمكن أن تتحول إلى نقطة التقاء بين مطالب طلابية مباشرة وغضب اجتماعي أوسع في الشارع.
وعندما عادت الجامعات إلى العمل في شباط (فبراير)، عادت الاحتجاجات معها. وشهدت جامعات طهران وشريف وأميركبير وبهشتي والزهراء والعلم والصناعة وأصفهان ومشهد ومدن أخرى تجمعات ومقاطعة للدروس، فيما دخل الطلاب في بعض المواقع في مواجهات مع عناصر الباسيج.
واللافت أن الشعارات تجاوزت سريعًا المسائل التعليمية. فقد رُفعت شعارات ضد الدكتاتورية وضد خامنئي، إلى جانب شعارات ترفض في الوقت نفسه حكم الملالي وعودة نظام الشاه.
“من المطلب الطلابي إلى السؤال السياسي”
هذه القدرة على الانتقال من مطلب محلي إلى خطاب سياسي أوسع هي ما يجعل الجامعات حساسة بالنسبة إلى السلطة.
فالاحتجاج قد يبدأ برسوم دراسية، أو نظام امتحانات، أو قيود أمنية، لكنه يتحول سريعًا إلى أسئلة تتعلق بالحرية والكرامة والحق في التنظيم ومستقبل النظام السياسي نفسه.
في حزيران (يونيو)، شهدت أكثر من عشرين مدينة احتجاجات طلابية حول السياسات التعليمية والتمييز والعدالة في التعليم. ثم عاد طلاب الجامعة الحرة في طهران وكرج والأهواز إلى الاحتجاج على مواعيد الامتحانات والظروف الدراسية.
ومع بداية العام الدراسي الجديد، ظهر النمط نفسه في جامعة علامه: رسوم مرتفعة، حجاب إجباري، حضور أمني، طلاب معتقلون، وضغط اقتصادي عام، كلها اجتمعت في احتجاج واحد.
وهذا ما يجعل الجامعة أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية. إنها مساحة تتقاطع فيها الأزمة الاقتصادية مع القمع السياسي والتمييز الاجتماعي.
“القمع يكشف حجم القلق”
رد السلطات يؤكد حجم هذا القلق.
فبحسب تقارير منشورة خلال الصيف، تعرض طلاب في جامعة شريف للفصل أو التعليق، وفتحت ملفات تأديبية بحق عشرات الطلاب في جامعة العلم والصناعة، فيما اضطر عدد كبير من طلاب جامعة طهران إلى إعداد مذكرات دفاع أمام لجان تأديبية.
هذه الإجراءات لا تستهدف فقط معاقبة المشاركين في احتجاج بعينه، بل تهدف إلى رفع كلفة النشاط السياسي داخل الجامعة وإضعاف قدرة الطلاب على التنظيم.
كما أن تصريحات مسؤولي الجامعات أنفسهم تكشف هذا القلق. فقد حذر رئيس جامعة شريف من محاولات “تحريك” الجامعات، فيما تحدث رئيس جامعة بهشتي عن قابلية الشباب الجامعي للتأثر السياسي.
هذه التصريحات لا تبدو منفصلة عن تجربة الأشهر السابقة. فالسلطة تعلم أن الجامعة تستطيع الاحتفاظ بذاكرة الاحتجاج حتى عندما يتراجع الشارع مؤقتًا.
“لماذا تبقى الجامعة مهمة؟”
لدى الجامعات ثلاث خصائص تجعلها صعبة الاحتواء الكامل.
الأولى أنها تجمع أعدادًا كبيرة من الشباب في فضاء واحد، بما يسمح بتكوين شبكات اجتماعية وسياسية بسرعة.
الثانية أنها تحتفظ بذاكرة احتجاج متراكمة. فالطلاب الجدد يدخلون إلى مؤسسات تحمل تاريخًا من الحركات الطلابية والمواجهات السابقة.
أما الثالثة فهي أن المطالب الجامعية نفسها متصلة مباشرة بأزمات المجتمع الأوسع: التضخم، التمييز، البطالة، القمع، الحجاب الإجباري وغياب الحريات السياسية.
لذلك، فإن الاحتجاج الجامعي لا يبقى دائمًا داخل أسوار الجامعة.
وهذا يفسر لماذا تعامل النظام مع الجامعات طوال العام باعتبارها ملفًا أمنيًا لا تعليميًا فقط.
فالقلق ليس من رسوم الدراسة أو الامتحانات بحد ذاتها، بل من اللحظة التي تتحول فيها هذه المطالب إلى لغة سياسية أوسع، وتلتقي فيها الجامعة بالشارع.
مع بداية العام الدراسي الجديد، يظهر أن هذه المعادلة لم تتغير. فالطلاب عادوا إلى الاحتجاج، والسلطة عادت إلى التحذير والرقابة.
السؤال بالنسبة إلى النظام ليس ما إذا كانت هناك مشكلات داخل الجامعات، بل ما إذا كانت هذه المشكلات ستتحول مرة أخرى إلى جزء من موجة احتجاج وطنية أوسع.
وهذا بالضبط ما يجعل الجامعات، بعد كل موجة قمع، تعود إلى قلب المشهد السياسي في إيران.








