الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
تثير حادثة الاعتداء بالسلاح الأبيض على رجل دين في مدينة رشت، شمالي إيران، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2026، سؤالا يتجاوز تفاصيل الحادثة نفسها: هل أصبحت صورة رجل الدين في الوعي الإيراني مرتبطة، بصورة متزايدة، بالسلطة السياسية وأجهزتها وممارساتها، إلى الحد الذي جعل بعض رجال الدين هدفا للاعتداءات أو الرفض الشعبي؟
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، فقد تعرض رجل دين لهجوم بسلاح أبيض في أحد أحياء رشت، فيما أعلنت الشرطة أنها حصلت على خيوط عن منفذ الاعتداء وتعمل على توقيفه، بينما وصفت حال المصاب بأنها مستقرة. ولم تكن دوافع المهاجم قد حسمت رسميا عند نشر الخبر.
ومن الضروري هنا عدم الخلط بين الاعتراض على الدين والاعتراض على المؤسسة الدينية المرتبطة بالنظام. فإيران ليست مجتمعا فقد إيمانه بصورة كاملة، كما أن مظاهر التدين ما زالت حاضرة في شرائح واسعة من الإيرانيين. لكن المشكلة تبدو، بالنسبة إلى قطاع من المجتمع، في الطريقة التي جرى بها توظيف الدين داخل الدولة وتحويل رجال الدين من مرجعية روحية إلى جزء من منظومة الحكم والتشريع والأمن.
وتوفر نتائج استطلاع GAMAAN حول مواقف الإيرانيين من الدين، المنشور عام 2020، مؤشرات مهمة في هذا السياق. فقد أظهر الاستطلاع أن 78% من المشاركين قالوا إنهم يؤمنون بالله، في حين قال 68% إنهم يؤيدون استبعاد الأحكام الدينية من التشريع حتى لو كانت الأغلبية من المتدينين، كما رأى نحو 71% أن المؤسسات الدينية ينبغي أن تعتمد على تمويلها الخاص لا على الدولة.
هذه الأرقام لا تعني أن الإيرانيين أصبحوا جميعا معادين للدين، بل تشير إلى ظاهرة أكثر تعقيدا: الفصل المتزايد بين الإيمان الشخصي وبين السلطة الدينية والسياسية. فالمواطن يمكن أن يؤمن بالله، أو يمارس شعائره، وفي الوقت نفسه يرفض أن تتحول المؤسسة الدينية إلى سلطة تفرض نمطا محددا من الحياة والسياسة على المجتمع.
وهنا تبرز أهمية تزايد الاعتداءات على رجال الدين خلال السنوات الماضية. ففي أبريل/نيسان 2022، تعرض ثلاثة من رجال الدين للطعن في مقام الإمام الرضا في مشهد، قُتل أحدهم وأصيب اثنان، في حادثة هزت المؤسسة الدينية الإيرانية. كما سبقت ذلك بأيام حادثة مقتل رجلي دين سنيين في غنبد كاووس.
لكن قراءة هذه الحوادث باعتبارها مجرد “كراهية للدين” ستكون قراءة سطحية. فالمؤسسة الدينية الإيرانية، منذ قيام الجمهورية الإسلامية، لم تبق خارج السياسة، بل أصبحت في قلب الدولة. ولذلك فإن رجل الدين الذي يظهر في المجال العام قد ينظر إليه، في بعض الحالات، ليس باعتباره رجل عبادة فحسب، وإنما باعتباره ممثلا لسلطة سياسية تفرض القوانين الدينية، وتشارك في إدارة المجتمع، وتدافع عن النظام.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة الإيرانية: قد لا يكون الصراع مع الإسلام بقدر ما هو صراع مع الإسلام السياسي حين يصبح أداة للحكم. بل إن بعض مظاهر الابتعاد عن الممارسات الدينية يمكن تفسيرها، جزئيا، بوصفها رد فعل على عقود من الإكراه الديني، لا بالضرورة رفضا لكل أشكال الإيمان.
وتؤكد نتائج GAMAAN هذه المفارقة أيضا؛ إذ قال 56% من المشاركين إنهم لا يريدون تعليم أبنائهم التعاليم والواجبات الدينية في المدارس، بينما أبدى 54% قبولا بتعليمهم عن الأديان والمعتقدات المختلفة.
وبالتالي، فإن حادثة رشت ينبغي ألا تقرأ منفردة، ولا ينبغي كذلك القفز إلى استنتاج أن المجتمع الإيراني بات يرفض رجال الدين جميعا. فدوافع الاعتداء لم تعلن بعد، ولا يمكن إثبات أن الحادثة سياسية أو أيديولوجية لمجرد أن الضحية رجل دين.
لكن تكرار مثل هذه الحوادث، بالتزامن مع اتساع المسافة بين قطاعات من المجتمع والمؤسسة الدينية الرسمية، يكشف عن مشكلة أعمق تواجه النظام الإيراني: عندما تستخدم السلطة الدين لتبرير سياساتها، فإن الغضب الموجه ضد السلطة يمكن أن ينتقل، بصورة غير مباشرة، إلى الرموز التي تمثلها.
وهكذا يصبح رجل الدين، في نظر بعض الإيرانيين، ليس رمزا للدين ذاته، وإنما رمزا لنظام سياسي ارتبط اسمه بالدين. وهذه ربما هي أخطر نتيجة يمكن أن تترتب على تسييس العقيدة: أن يدفع الدين ثمن أخطاء السلطة، وأن يجد رجل الدين نفسه في مواجهة غضب اجتماعي لم يكن سببه في الأصل الدين، وإنما الطريقة التي جرى بها استخدامه في إدارة الدولة والمجتمع.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








