الملالي علی خامنئي و نجله مجتبي خامنئي-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
هناك فرق جوهري بين سقوط شخص في قمة السلطة وبين سقوط النظام الذي كان يقوده. وهذه الحقيقة تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى في قراءة المشهد الإيراني بعد مقتل علي خامنئي وانتقال منصب المرشد إلى نجله مجتبى.
فعلي خامنئي لم يكن مجرد رئيس دولة أو زعيم حزب. لقد شغل موقع المرشد الأعلى منذ عام 1989، وبقي طوال 37 عاما مركزا رئيسيا لصنع القرار في الجمهورية الإسلامية. ولذلك فإن غيابه أحدث فراغا سياسيا ورمزيا كبيرا. لكن السؤال الحقيقي ليس: من حل محله؟ وإنما: هل يستطيع النظام إعادة إنتاج نفسه بعد غياب الشخصية التي حكمت مفاصله طوال هذه العقود؟
الإجابة الأولية التي تقدمها الوقائع هي أن مؤسسات النظام لم تنهار. فقد جرى تعيين مجتبى خامنئي مرشدا جديدا في مارس/آذار، واستمرت مؤسسات الدولة والحرس الثوري في أداء وظائفها. وتفيد تقارير رويترز بأن الحرس الثوري اكتسب نفوذا أكبر داخل منظومة الحكم بعد الحرب ومقتل عدد من كبار القادة.
لكن استمرار المؤسسات لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة.
فالانتقال من خامنئي الأب إلى نجله يحمل في حد ذاته دلالة سياسية. فالنظام الذي بنى جزءا كبيرا من شرعيته على مؤسسات دينية وسياسية معقدة وجد نفسه أمام انتقال عائلي داخل أعلى منصب في الدولة. وقد أشارت تقارير رويترز إلى أن اختيار مجتبى كان مدعوما من عناصر نافذة في الحرس الثوري، رغم أن فكرة التوارث العائلي لا تنسجم بسهولة مع الخطاب الأيديولوجي التقليدي للنظام.
وفي الوقت نفسه، جاءت عملية الانتقال بعد موجة احتجاجات واسعة بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2025. ووفق تقرير حكومي بريطاني محدث في أغسطس/آب 2026، امتدت الاحتجاجات إلى مئات المدن والبلدات في المحافظات الإيرانية الـ31، وكانت الأكبر منذ عام 1979 وفق التقييم الوارد في التقرير.
وهنا تتقاطع أزمتان: أزمة الشرعية في الداخل، وأزمة القوة والنفوذ في الخارج.
فالنظام الإيراني لم يعد يواجه فقط خصومه التقليديين في واشنطن وتل أبيب، بل وجد نفسه أمام بيئة إقليمية مختلفة بعد سنوات من تراجع نفوذ حلفائه المسلحين، وفي الوقت ذاته أمام حرب مباشرة ذات كلفة بشرية واقتصادية وعسكرية ضخمة. كما أن الاقتصاد الإيراني تعرض لضغط بالغ، مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع النشاط الاقتصادي واضطراب صادرات النفط.
غير أن هذا كله لا يقود تلقائيا إلى نتيجة واحدة. فالتاريخ السياسي يبين أن الأنظمة شديدة المركزية قد تتعرض لأزمات عميقة ثم تعيد ترتيب مؤسساتها وتستمر. وهذا ما حدث جزئيا في إيران نفسها خلال الأشهر التي أعقبت مقتل خامنئي؛ إذ لم يؤد غيابه إلى انهيار فوري للدولة أو مؤسساتها. بل إن الحرس الثوري ومؤسسات الحكم أعادت تنظيم مواقع القوة واستمرت في إدارة الصراع.
من هنا تأتي أهمية التمييز بين أزمة القيادة وأزمة النظام.
إذا كان تغيير المرشد قادرا على إعادة إنتاج المنظومة نفسها، فإن ما حدث يكون انتقالا في القيادة. أما إذا أدى تراكم الاحتجاجات، والضغوط الاقتصادية، والخسائر العسكرية، وتراجع النفوذ الإقليمي، والانقسامات داخل مراكز السلطة إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية، فإننا نكون أمام أزمة أعمق.
وهذا هو المكان الذي تطرح فيه المعارضة الإيرانية ما تسميه “الحل الثالث”: أي أن مستقبل إيران، وفق رؤيتها، لا ينبغي أن يختزل في خيار استمرار الجمهورية الإسلامية أو فرض تغيير من الخارج، وإنما في انتقال سياسي تقوده قوى المعارضة والاحتجاج داخل البلاد. وقد عرض المجلس الوطني للمقاومة الایرانیة هذا التصور في فعاليات أقامها مؤيدوه أمام الأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول، داعيا إلى قيام جمهورية ديمقراطية وعلمانية.
لكن، من الناحية التحليلية، يبقى السؤال مفتوحا: إلى أي مدى تستطيع أي قوة معارضة تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى عملية سياسية منظمة؟ وما مدى قدرتها على اكتساب اعتراف داخلي واسع ودعم دولي؟ وما طبيعة المرحلة الانتقالية إذا حدث تغير سياسي؟ هذه أسئلة لا تحسمها الشعارات، وإنما تحتاج إلى مؤسسات وقوى اجتماعية وسياسية قادرة على إدارة مرحلة شديدة التعقيد.
لذلك فإن المشهد الإيراني الراهن لا يمكن اختزاله في وفاة خامنئي أو صعود نجله. فالحدث الأكبر هو أن النظام دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها ثلاثة مستويات من الأزمة: القيادة، والشرعية الداخلية، والموقع الإقليمي والدولي.
وقد يكون من السابق لأوانه القول إن هذه المستويات ستقود حتما إلى تغيير النظام. لكن من المؤكد أن إيران ما بعد فبراير/شباط 2026 ليست إيران التي كانت قبل الحرب، وأن انتقال السلطة من الأب إلى الابن لم ينه الأسئلة التي فجرتها الحرب والاحتجاجات والأزمة الاقتصادية؛ بل نقلها إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدا.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: ليس السؤال فقط من يجلس في موقع المرشد، وإنما هل تستطيع المنظومة السياسية التي يمثلها أن تجد صيغة جديدة للاستمرار، أم أن تراكم الأزمات سيجعل مستقبل النظام نفسه موضع نقاش متزايد داخل إيران وخارجها؟








