نشاط وحدات المقاومة في ایران-
وكالة حمورابي الاخبارية الدولية-د. سامي خا طر
آكاديمي وأستاذ جامعي:
تآكل الردع الأمني وسقوط الرواية الرسمية
في مشهد استراتيجي عالي الدلالة يعكس هشاشة المنظومة الأمنية، وجّهت وحدات المقاومة ضربات موجعة لمنظومة الأمن الداخلي الإيراني بتنفيذ 40 عملية متزامنة شملت العاصمة طهران وعشرين مدينة أُخرى. جاءت هذه العمليات بالتزامن مع الذكرى السنوية لانتفاضة عام 2022، لتكشف بوضوح عن عمق الهوة الكبيرة بين الخطاب الرسمي الذي يُروّجه قادة الأجهزة الأمنية بشأن إحكام السيطرة التامة، والواقع الميداني المعاش. إن نجاح هذه التشكيلات في اختراق حالة الاستنفار الأمني الشامل يعكس تآكلاً بنيوياً في قدرة السلطة على احتواء الغضب الشعبي المتصاعد، ويؤكد أن القبضة الحديدية لم تعد قادرة على توفير الحصانة للمقار الحيوية التابعة لقوات الحرس والباسيج . وتأتي هذه التطورات الميدانية لتكذب التصريحات المتكررة الصادرة عن قيادات الشرطة والأمن حول نجاح حملات الملاحقة والاعتقال ضد شبكات المعارضة. فالانتشار الواسع للعمليات في محافظات متعددة، رغم الإجراءات الاحترازية المشددة، يثبت أن البنية التحتية للمعارضة تتمتع بمرونة عالية وحرية حركة تفوق تقديرات الأجهزة الاستخباراتية للنظام، مما يضع القيادة السياسية والأمنية أمام أزمات وجودية متصاعدة تهدد استقرارها الداخلي على المدى القريب والبعيد.
تفكيك البنية اللوجستية للقمع والاستخبارات
لم تقتصر التحركات الميدانية على الرمزية السياسية أو إرسال الرسائل المعنوية، بل استهدفت بدقة متناهية العصب الحساس للبنية الأمنية والاستخباراتية للنظام . فقد طالت الهجمات مقار عملياتية ومراكز رصد تُستخدم لإدارة شبكات التنصت وتجنيد المخبرين، فضلاً عن استهداف قواعد الباسيج الطلابي التي توظفها السلطة للرقابة الفكرية والاجتماعية داخل المؤسسات التعليمية ومراكز الشباب. إن تركيز النيران على هذه المواقع يعطل آليات المراقبة الميدانية ويحد من قدرة أجهزة الاستخبارات على استباق الاحتجاجات ، مما يمثل تحولاً نوعياً في تكتيكات المواجهة نحو تقويض ركائز البطش اليومي في الأزقة والأحياء. وعلاوة على ذلك، فإن استهداف مقار وزارة المخابرات وقطع الغطاء اللوجستي عن مفارز التجسس يفرض على الأجهزة الأمنية إعادة نشر قواتها وتشتيت جهودها في حماية منشآتها بدلاً من التركيز على قمع الشارع . هذا الاستنزاف المستمر يقلل من كفاءة الآلة الأمنية، ويمنح الشبان الثوار مساحات أوسع للمناورة وتوسيع نطاق العمليات ، الأمر الذي يعمق الشعور بعدم الأمان لدى عناصر النظام وقادته على حد سواء .
إسقاط الأغطية الأيديولوجية ومشاريع التوريث
تجاوزت الضربات الميدانية الأبعاد العسكرية البحتة لتستهدف الرموز الأيديولوجية والسياسية التي تستند إليها الشرعية المزعومة للنظام . فقد تعرضت الحوزات الدينية لاستهداف مباشر يعكس قراءة شعبية نقدية لدورها في توفير الغطاء الفقهي والقضائي لأحكام الإعدام وقمع الحريات وتبرير العنف الممنهج . بالتوازي مع ذلك، أسفر إحراق الجداريات واللوحات الدعائية لكبار رموز السلطة، وتحديداً لافتات علي خامنئي ووريثه مجتبى خامنئي في ست عشرة محافظة، عن رسائل سياسية قاطعة ترفض مساعي توريث السلطة وتحويل البلاد إلى إقطاعية عائلية، مسقطة بذلك هالة التقديس المفتعلة حول أركان الاستبداد. إن هذا الرفض الميداني المباشر للرموز الدينية والسياسية العليا يُمثّل كسراً تاماً لحاجز الخوف النفسي الذي طالما اعتمدت عليه السلطة لفرض هيمنتها. فعندما تُستهدف صور المرشد الأعلى وأركان نظامه في العاصمة وعموم المحافظات، فإن ذلك يعبر عن تحول جذري في الوعي الجمعي للشعب الإيراني، الذي بات يرى في إسقاط هذه الرموز خطوة لا بد منها نحو تفكيك منظومة الاستبداد برمتها.
حتمية التغيير الذاتي ورفض البدائل المستوردة
يقدم هذا التصعيد الميداني قراءة استراتيجية حاسمة مفادها أن التغيير الحقيقي في إيران لا يمكن أن يُستجلب عبر الحروب أو التدخلات الخارجية، ولا يمكن التعويل فيه على سياسات الاسترضاء الإقليمي والدولي. إن تراكم الأفعال الثورية يؤكد أن الخلاص من منظومة البطش والمشانق يُنتزع حصرياً بسواعد الجماهير وقوة المقاومة الداخلية. ومن خلال التمسك الثابت بشعار لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي ترسم المعارضة الإيرانية معالم مسار وطني مستقل يرفض العودة إلى الماضي الاستبدادي أو الاستمرار في الحاضر الديني القمعي، متطلعاً نحو تأسيس جمهورية ديمقراطية حرة تكفل السيادة والعدالة الاجتماعية
لكافة أبناء الشعب الإيراني.
خلاصة تحليلية :
تُثبت العمليات الأربعون أن الإرادة الشعبية قادرة على كسر طوق الخوف وفرض معادلة ميدانية جديدة، مما ينذر بمرحلة أكثر عمقاً من عدم الاستقرار السياسي إذا ما استمرت السلطة في تجاهل ديناميكيات التغيير المتصاعدة في الشارع الإيراني، ويؤكد أن مستقبل البلاد يصنعه أبناؤها الأحرار في الميدان .








