قواة قمعیة للنظام الملالي في ایران-
أمد للإعلام – د. سامي خاطر:
يشهد المشهد السياسي الإيراني منعطفاً حرجاً على وقع تصاعد الاحتجاجات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، عُقد في العاصمة البريطانية لندن مؤتمر البرلمان البريطاني المعنون “نحو إيران حرة: حقوق الإنسان والمساءلة والتغيير الديمقراطي”، والذي سلّط الضوء على تقاطعات الأزمات البنيوية التي يواجهها النظام الحاكم في طهران. ومن خلال استقراء التقارير الميدانية المستقلة ومراكز رصد حقوق الإنسان الدولية، يمكن قراءة الواقع الإيراني عبر تفكيك محاور رئيسية تشمل تصاعد آلة القمع، والانهيار الاقتصادي، وصولاً إلى التداعيات الجيوسياسية على الأمن الإقليمي والدولي.
المقاومة تحت مقصلة الإعدامات: جيل زد في مواجهة العنف المنهجي
تُظهر تقارير المنظمات الحقوقية الدولية أن السلطات في طهران تكثف استخدام عقوبة الإعدام كأداة مركزية لترهيب المجتمع وإجهاض الحراك الاحتجاجي. وتؤكد الوثائق الميدانية الصادرة عن جهات رقابية مستقلة أن ممارسات الأجهزة الأمنية ضد السجناء السياسيين، ومنهم نشطاء منتمون لمنظمة مجاهدي خلق الایرانیة مثل الشاب الراحل مهدي خانكي، تجري في محاكم تفتقر إلى أبسط معايير المحاكمة العادلة. وفي المقابل، يُظهر جيل الشباب، لا سيما الفئات المعروفة بـ “جيل زد” والناشطات داخل السجون مثل أرغوان فلاحي وفروغ تقي بور، إصراراً متصاعداً على كسر حاجز الخوف، مستفيدين من شبكات التواصل الاجتماعي والتحركات السرية لتنظيم صفوفهم وإدامة شعلة الاحتجاج، مما يعكس فشل القبضة الأمنية في استئصال جذور المعارضة المنظمة.
اقتصاد الحرب والمأزق المالي: تمويل القمع على حساب معيشة المواطنين
على الصعيد الاقتصادي، يعاني الاقتصاد الإيراني من تراجع حاد وهيكلي نتيجة تخصيص الجزء الأكبر من الموارد العامة لتمويل الأجهزة العسكرية، والميليشيات الإقليمية، وسياسات المواجهة الخارجية، بدلاً من التنمية الداخلية. وتفيد تقارير اقتصادية مستقلة بأن استمرار التصعيد في ممرات الملاحة الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز، أدى إلى تعميق العزلة المالية وزيادة معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية لفئات واسعة تشمل الممرضين والعمال والمتقاعدين. هذا الاختناق المالي لا يُعد مجرد أزمة عابرة، بل هو نتيجة حتمية لترابط سياسات البقاء الداخلي للنظام القائمة على العسكرة المفرطة، مما يدفع المجتمع نحو حالة من الغليان المعيشي المستمر.
تصدير الأزمات الداخلية: عسكرة الإقليم كاستراتيجية بقاء
تؤكد الدراسات الاستراتيجية المستقلة أن الأنظمة التي تواجه أزمات وجودية داخلية تعمد غالباً إلى الهروب للأمام عبر إشعال فتيل التوترات الخارجية. وفي الحالة الإيرانية، يعكس الإصرار على عرقلة الملاحة الدولية في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز استخداماً أدواتياً لملف الأمن البحري بغية تحسين شروط التفاوض وابتزاز المجتمع الدولي. هذا النهج العسكري لا يؤدي فحسب إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية المحلية نتيجة استنزاف الموارد في تمويل الصراعات بالوكالة، بل يتحول إلى صاعق تفجير دائم لزعزعة الاستقرار الإقليمي، مما يهدد سلاسل الإمداد العالمية وأمن الطاقة الدولي بشكل مباشر.
الأمن الجماعي في مهب الرياح: كلفة غياب الردع الفاعل
إن استمرار سياسة “غض الطرف” الدولية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحملات الإعدام المنهجية داخل إيران أفرز فهماً خاطئاً لدى صانعي القرار في طهران، مفاده أن السلوك العدواني الخارجي وقمع المعارضة الداخلية يظلان بلا أثمان استراتيجية باهظة. وتشير تقارير مراكز الأبحاث الدولية إلى أن هذا الفراغ في الردع الحازم يغذي النزعات التوسعية، ويدفع باتجاه سباق أسلحة إقليمي محفوف بالمخاطر. فعندما تنشغل الدبلوماسية الدولية باحتواء التداعيات السطحية وتتجاهل طبيعة النظام الثيوقراطي القائم على التصدير الأيديولوجي، فإن هيكل الأمن الإقليمي بأكمله يظل عرضة للاهتزاز والانهيار المفاجئ.
معادلة الأمن العالمي: لماذا أصبح التغيير الديمقراطي ضرورة أمنية؟
تتجاوز أهمية الدعم الدولي للمقاومة المنظمة والتطلعات الديمقراطية للشعب الإيراني الباب الإنساني البحت، لتصل إلى صميم الأمن القومي الدولي. فاستبدال النظام الكهنوتي بجمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة واحترام المواطنة والمساواة يُمثل الحل الجذري والوحيد لإيقاف نزيف الصراعات في الشرق الأوسط. إن إرساء نظام سياسي معتدل ومسؤول في إيران من شأنه أن ينهي حقبة تمويل الميليشيات، ويزيل الاحتقان الطائفي، ويحول إحدى أكثر مناطق العالم حساسية إلى فضاء للتعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة، بدلاً من كونها مصنعاً للأزمات.
خاتمة تحليلية: حتمية المقاربة الاستراتيجية الاستباقية
خلاصة القول إن إيران تقف على مفترق طرق تاريخي؛ فبينما يصر النظام على إطالة أمد بقائه عبر الاعتماد المفرط على آلة الإعدامات وافتعال الأزمات الإقليمية، تتجذر في المقابل البنى التحتية لمقاومة منظمة وشعبية واسعة تسعى لإقامة جمهورية ديمقراطية. إن التحدي الأكبر أمام صانع القرار الدولي لم يعد يقتصر على احتواء التوترات الجيوسياسية، بل يتمثل في ملاءمة السياسات الخارجية مع التطلعات المشروعة للشعب الإيراني نحو التغيير الجذري، مما يجعل الاعتراف بمطالب القوى الديمقراطية ضرورة أمنية واستراتيجية لإرساء استقرار مستدام في المنطقة.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








